كشف المحلل السياسي التركي البارز، جوهري جوفين، في تحليل جديد، عن تطوّر بالغ الأهمية في المشهد السياسي التركي؛ حيث عقد رئيس حزب الشعب الجمهوري، “أوزجور أوزيل”، لقاءً غير معتاد مع رئيس جهاز الاستخبارات التركي، “إبراهيم قالين”، استمر لمدة ثلاثين دقيقة على انفراد، خارج إطار البروتوكولات الرسمية أو السياقات الاعتيادية.
هذا اللقاء لم يكن مخططًا له سلفًا، وهو ما يعيد إلى الأذهان لقاءً مماثلًا جرى في عام 2007 بين الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الأركان آنذاك، “ياشار بويوكانيت”، في قصر “دولما بهجة”، والذي بقي غامضًا حتى اليوم، وكان له تبعات كبيرة على الحياة السياسية.
قالين يتجاوز الأعراف ويطرق أبواب المعارضة
في خطوة غير مسبوقة في النظم الديمقراطية، لا سيما في التجربة التركية، أقدم رئيس جهاز الاستخبارات على زيارة جميع الكتل البرلمانية للأحزاب المعارضة – بما في ذلك حزب الجيد، وحزب “ينى يول”، وحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب وانتهاءً بحزب الشعب الجمهوري – بدلاً من الاكتفاء بالتقارير داخل لجان الأمن القومي أو الدفاع في البرلمان.
هذا التحرك يأتي في ظل ما يصفه المحلل جوهري بمحاولة لإطلاق “عملية جديدة لتركيا بلا إرهاب”، وهي عملية لا تزال غامضة في طبيعتها، ومبهمة في تسميتها؛ إذ لم يتم التوافق حتى على مصطلح جامع لها بين مختلف الأطراف.
أردوغان يتنحّى خطوة إلى الخلف… ويُبقي الأيادي تتحرك
يرى جوفين، الذي يتابعه على يوتيوب زهاء مليون شخص رغم القيود المفروضة عليه، أن اللافت في هذه المرحلة هو اتخاذ الرئيس أردوغان موقفًا متراجعًا عن الواجهة، على غير العادة، تاركًا إدارة المشهد لمؤسسات الدولة، وعلى رأسها جهاز الاستخبارات، بينما يبرز زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، في طليعة المشهد. هذا التراجع من قبل أردوغان يُفسَّر – حسب جوفين – برغبته في أن يحتفظ لنفسه بهامش مناورة سياسي في المستقبل، بحيث لا يكون ملزَمًا بمواقف أو اتفاقات لا تخدم مصالحه لاحقًا.
لماذا يُشرك أردوغان المعارضة هذه المرة؟
في مفارقة لافتة، يشير جوفين إلى أنه – على عكس مسار “عملية السلام” مع الأكراد في 2013–2015، والتي أقصيت منها المعارضة تمامًا، فإن أردوغان اليوم يسعى حثيثًا لإشراك جميع الأطياف السياسية في العملية الجديدة، بل يستخدم أكثر أدوات الدولة حساسية – جهاز الاستخبارات – من أجل إقناع المعارضة بالانخراط في اللجنة البرلمانية المزمع تشكيلها.
ويبرّر جوفين ذلك بأن “أردوغان يدرك أن أي مكسب سياسي من هذا المسار لن يُقسّمه مع خصومه إذا كان لصالحه، لكنه يرى أن الوضع الحالي يُحتّم عليه إشراك المعارضة ليشاركه لاحقًا تبعات الفشل، أو ليجعلها رهينة لهذه المسيرة.”
لقاء خاص قد يُثقل كاهل أوزجور أوزيل سياسيًا
يلفت جوفين إلى أن الاجتماع المنفرد الذي جرى بين إبراهيم قالين وأوزيل يختلف جذريًا عن باقي لقاءات قالين مع رؤساء الأحزاب، والتي جرت بحضور نوّاب ورؤساء كتل. أما في حالة حزب الشعب الجمهوري، فقد استُهلّ الاجتماع بلقاء منفرد استمر 30 دقيقة، تلاه اجتماع موسّع استمر ساعة ونصفا مع طاقم الحزب.
يؤكد جوفين أن هذا اللقاء الانفرادي سيظل يلاحق أوزيل في مسيرته السياسية، وسيتحوّل إلى نقطة ضعف يتم تذكيره بها كلما اقترب أكثر من الحكومة أو بدا وكأنه يتحرّك بتنسيق غير معلن مع حزب العدالة والتنمية. فالأسئلة ستكون حاضرة: “ما الذي يستدعي أن يُخفي رئيس حزب معارض لقاءه مع رئيس الاستخبارات عن حزبه؟ وما هي تلك الأسرار التي لا يمكن مناقشتها بحضور الهيئة القيادية للحزب؟”
قراءة أولية في دوافع هذا الحراك الاستخباراتي
من زاوية التحليل، يرى جوفين أن ما يُحرّك هذا المسار هو غياب المصداقية التامة لحزب العدالة والتنمية ورموزه لدى المعارضة والمجتمع، مما اضطر أردوغان للاستعانة بشخصية تكنوقراطية – قوية التأثير – مثل إبراهيم قالين، الذي يحظى بثقة المؤسسة ويُعتبر أحد أقرب الشخصيات إلى أردوغان منذ سنوات.
وحسب معلومات جوفين، فإن زيارة قالين للكتل البرلمانية، بما فيها حزب الجيد وحزب “ينى يول”، كانت كلها تمهيدية لهدف واحد: إقناع حزب الشعب الجمهوري بالانضمام إلى اللجنة البرلمانية المزمع تشكيلها لمتابعة ملف “تركيا بلا إرهاب”.
تباين في التصريحات… والتباس في المواقف
يشير جوفين إلى تباين مثير في مواقف وتصريحات أوزيل؛ ففي حين يؤكد رئيس حزب الشعب الجمهوري، عبر الإعلام، أن الرئيس رجب طيب أردوغان لم يكن راغبًا في مشاركة الحزب باللجنة البرلمانية، تأتي الوقائع على الأرض لتُكذّب ذلك. فإبراهيم قالين، كما يؤكد جوفين، ليس مجرد رئيس استخبارات فحسب، بل هو الذراع الأقرب إلى أردوغان منذ سنوات، وكان ناطقًا رسميًا باسمه ومستشاره للشؤون الاستراتيجية. وإذا كان قالين قد أجرى سلسلة لقاءات هدفها الوحيد إقناع المعارضة، وبخاصة حزب الشعب الجمهوري، بالانضمام إلى اللجنة، فكيف يُعقل أن يتم ذلك دون موافقة، بل وتوجيه، من أردوغان نفسه؟
يعلّق جوفين قائلاً: “لو كان أردوغان لا يريد حزب الشعب في هذا المسار، لما سمح أصلًا بقيام قالين بهذه الجولة، بل لربما منع حتى تشكيل اللجنة من الأساس، تمامًا كما فعل في محطات سابقة.”
هل يُمكن تحويل اللجنة إلى منصة حقيقية لحل الأزمة الكردية؟
يرى جوفين أن حزب الشعب الجمهوري نادى بحل القضية الكردية تحت قبة البرلمان، ويرى في تشكيل لجنة نيابية لمناقشة المسألة خطوة – من حيث الشكل – في الاتجاه الصحيح، لكن ما سيُحدد جدوى اللجنة هو ما ستفعله الأحزاب داخلها.
إن تكرار سيناريو “لجنة 15 تموز” حول محاولة الانقلاب المثيرة للجدل قد يكون واردًا، حيث يقول جوفين: “فقد شكّلت اللجنة في أعقاب محاولة الانقلاب عام 2016، إلا أن محاولات المعارضة لكشف الغموض المحيط بالأحداث قوبلت برفض الحكومة، التي منعت استدعاء شخصيات محورية، مثل رئيس الأركان حينها، خلوصي أكار، ورئيس جهاز الاستخبارات حينها، هاكان فيدان، كما تجاهلت الذهاب إلى المواقع المحورية مثل قاعدة “أكينجي” الجوية. وبالرغم من ذلك، استطاعت المعارضة بذكاء أن تطرح بعض الأسئلة وتدلي ببعض الملاحظات المهمة في محاضر اللجنة، الأمر الذي أرعب السلطة لدرجة أنها منعت نشر التقرير النهائي، الذي اختفى لاحقًا من أرشيف البرلمان!”.
درس 15 تموز 2016… وتحذير مبكر
بناءً على ما سبق، يحذر جوفين من أن تتحوّل اللجنة الجديدة إلى مجرّد “بروباغندا حكومية”؛ إذ إن لم تبادر المعارضة، وخصوصًا حزب الشعب الجمهوري والحزب الكردي إلى فرض أجندة جادة داخل اللجنة تُطالب بالحقوق، وتُسائل الانتهاكات، وتدفع نحو خطوات قانونية وسياسية حقيقية، فإن اللجنة ستكون مجرّد واجهة لتلميع صورة الحكومة، وربما أداة للتملص من المسؤوليات.
وفي المقابل، إن أجاد المعارضون استخدام المنصة لعرض رؤيتهم لحل القضية الكردية، وتعزيز دولة القانون، وإثارة قضايا الديمقراطية، فسيكون ذلك مكسبًا حقيقيًا، وسيدفع السلطة إلى التراجع أو التورط.
الضغوط الخارجية ودور القوى الدولية
بحسب جوفين، فإن ما يجري ليس نابعًا فقط من إرادة محلية. فالمبادرة الجديدة التي تُوصف بـ”تركيا بلا إرهاب” لم تُولد من رحم الداخل التركي، بل هي انعكاس لضغوط دولية – غربية تحديدًا – تُمارس على أنقرة لإيجاد مخرج سياسي للأزمة الكردية.
ويتساءل جوفين: “ما الذي جعل دولت بهجلي، الذي كان يصف عبد الله أوجلان بأنه ’قاتل أطفال‘، ثم ذهب يصفه بأنه ’زعيم مؤسس‘ لحزبه العمال الكردستاني؟” إن هذا التحول الدراماتيكي غير قابل للتفسير بالمنطق السياسي المحلي، بل يدلّ على تدخلات دولية مباشرة فرضت أجندة على النظام التركي، ما جعل أردوغان يُمسك العصا من المنتصف، ويسمح بانطلاق العملية لكنه يُبقي لنفسه خط الرجعة.
حزب الشعب الجمهوري بين فخ الشراكة وهاجس التصفية
من زاوية أخرى، يشير جوفين إلى وجود “شبه ابتزاز سياسي” تتعرض له المعارضة، وتحديدًا حزب الشعب الجمهوري. فقد ظهرت مؤشرات عديدة على وجود ضغوط مباشرة لفرض المشاركة في العملية، منها فتح تحقيقات بحق بلديات المعارضة، على رأسها بلدية إسطنبول بقيادة “أكرم إمام أوغلو”، ورفع دعاوى حول شرعية مؤتمر الحزب الأخير.
وحسب جوفين، فإن قيادة الحزب، وعلى رأسها أوزيل، بدأت تتعامل مع هذه الإشارات كرسائل ضغط وتهديدات ضمنية. بل هناك تسريبات بأن قيادات مقربة من الحزب باتت تردّد مقولات مثل: “إذا شاركنا في اللجنة، قد يُغلق الملف القضائي ضد إمام أوغلو… وإذا رفضنا، فربما تُلغى نتائج مؤتمرنا.”
هل يقود أردوغان عملية لا يرغب فيها أصلًا؟
يرى جوهري غوفَن أن رجب طيب أردوغان، ورغم محاولات تصويره كمن يقود العملية السياسية الجديدة (السلام الكردي)، إلا أنه – في حقيقة الأمر – لا يؤمن بها كخيار استراتيجي، بل ينخرط فيها مُكرهًا، وبتوجيه خارجي مباشر. ذلك أن تحريك هذا الملف جاء تحت ضغط دولي، وفي ظل تراجع واسع في ملف العلاقات مع الغرب، وتزايد العزلة الإقليمية.
أردوغان، الذي أراد استثمار ملف “القضية الكردية” لزيادة شعبيته أو كسب الوقت داخليًا، يرى – بحسب جوفين – أن أي انفتاح سياسي حقيقي، وأي تقدم نحو الديمقراطية، سيصبّ في مصلحة المعارضة، لا سيما حزب الشعب الجمهوري، والحزب الكردي، بل سيُعيد تحشيد القاعدة الكردية الغاضبة، التي فقدها منذ 2015.
لذا فإن الرئيس التركي، وإن أدار العملية بالواجهة، يسعى في العمق إلى إشراك أكبر عدد ممكن من القوى السياسية – لا لتحميلهم الشراكة فحسب، بل لتحميلهم لاحقًا تبعات الفشل والانهيار المحتمل للعملية.
الدرس القديم: كيف أطاح الأكراد بحلم أردوغان في 2015؟
يذكّر جوفين بالمشهد السياسي عقب الانتخابات البرلمانية في يونيو 2015، حين حصل حزب الشعوب الديمقراطي بقيادة صلاح الدين دميرطاش على أكثر من 13% من الأصوات، وهو ما أفقد حزب العدالة والتنمية الأغلبية المطلقة لأول مرة منذ سنوات، وأدى إلى فقدان أردوغان سلطته المنفردة. بعدها مباشرة، قام أردوغان بإنهاء “عملية السلام الكردي”، وأعاد البلاد إلى مربع العنف والاستقطاب مجددا.
يقول جوفين: “لم يغفر أردوغان لتلك اللحظة أبدًا. لم يغفر للأكراد أنهم كادوا يسقطونه عبر صناديق الاقتراع لا عبر الجبال. لهذا، لا يمكن الوثوق بأنه سيتنازل طوعًا لحل سياسي دائم، دون أن يضمن أولًا أن الرياح لن تدفع بأشرعة خصومه.”
العملية كأداة لتصفية الحساب… وليس لتحقيق السلام
يتابع جوفين تحليله مؤكدًا أن ما يحدث اليوم – رغم تغليفه بخطاب سياسي – يشبه إلى حد كبير عملية استدراج للمعارضة، خاصة حزب الشعب الجمهوري، إلى فخ سياسي محكم. فبمجرد مشاركتهم في اللجنة، يصبحون شركاء رسميين في العملية، ما يعني أن أي انفجار لاحق، أو فشل سياسي، سيُحمّل لهم أيضًا.
وإذا رفضوا السير وفق رغبة الحكومة، فسيواجهون ضغوطًا مركّبة: تصعيد في التحقيقات ضد بلدياتهم، تشكيك في شرعيتهم التنظيمية (كما في حالة مؤتمر الحزب)، وربما عرقلة المسار القضائي لأسماء بارزة مثل “أكرم إمام أوغلو”.
ويشير جوفين إلى تصريح بالغ الدلالة لرئيس الحزب الكردي، “تونجر بَقرهان”، الذي قال فيه: “إذا شارك حزب الشعب الجمهوري في العملية، فقد يُفرج عن إمام أوغلو.” هذا التصريح، بحسب جوفين، لم يلق أي نفي رسمي من الحكومة، ما يعزز فرضية “الابتزاز السياسي”.
السيناريوهات القادمة
في ختام تحليله، يضع جوفين السيناريوهات الممكنة أمام اللجنة المرتقبة:
- السيناريو الإيجابي (الأقل احتمالًا): أن تستغل المعارضة وجودها في اللجنة لإعادة طرح الملف الكردي من منظور ديمقراطي، وتدفع نحو تطبيع الحياة السياسية، والاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية، وإحداث إصلاحات قانونية تعزز مناخ الحريات.
- السيناريو الواقعي (الأقرب): أن تتحول اللجنة إلى أداة “تسويق سياسي” للحكومة، تُملي عبرها روايتها، وتُجر المعارضة إلى مربع الشرَك، ثم تتخلى عنهم لحظة الحاجة.
- السيناريو الانفجاري (المحتمل): أن يستخدم أردوغان فشل اللجنة كذريعة لإعادة العنف إلى الواجهة، وربما يُوظف ذلك لحلّ بعض البلديات الكردية، أو حظر أحزاب، أو تعبئة قاعدته القومية عشية انتخابات قادمة.
ويختم جوفين بقوله: “كلما زادت احتمالات السلام، زادت احتمالات انقلاب أردوغان على الطاولة. لأنه يدرك جيدًا أن استقرار البلاد قد يكون بداية اضطراب نظامه.”

