في تطور دراماتيكي يحمل في طياته علامات استفهام كثيرة، توفي رجل الأعمال الكردي والمعارض البارز محمد ياكوت، مساء الأحد، إثر نوبة قلبية مشبوهة داخل منشأة ساونا في ألمانيا، وذلك بعد ساعات فقط من إطلاق سراحه من الحجز في هولندا.
وكان ياكوت معتقلاً في هولندا بموجب طلب تسليم صادر عن السلطات التركية عبر الإنتربول، بعدما ذاع صيته في تركيا عام 2023 بفضل مقاطع مصورة كشف فيها عن قضايا فساد طالت مسؤولين رفيعي المستوى، علما أنه واجه تهديدات سابقة وتعرض لمحاولات اغتيال.
السياق الأمني والسياسي لاعتقاله
تعرض محمد ياكوت، البالغ من العمر 52 عاماً، للاعتقال على الحدود الهولندية مطلع العام الجاري، بعد قدومه من ألمانيا للقاء جميل أونال، الشخصية التركية المافيوية المثيرة للجدل، والذي اغتيل في اليوم التالي لاعتقال ياكوت. وأمضى الأخير عدة أشهر في سجن هولندي على خلفية “نشرة حمراء” من الإنتربول بطلب من تركيا، لكنه أُفرج عنه لاحقًا بعدما رفضت السلطات الهولندية تسليمه، مبرّرة القرار بمخاوف تتعلق باحتمال تعرضه للاضطهاد السياسي وسوء المعاملة في حال ترحيله.
الوفاة الغامضة في منشأة تركية
توفي ياكوت في منشأة تُعرف باسمHappy Garden Sauna قرب الحدود الهولندية–الألمانية. وبحسب مصادر متعددة، تعود ملكية الساونا لشخص من أصول تركية. وأمرت السلطات الألمانية بتشريح الجثة للوقوف على الأسباب الدقيقة للوفاة، في ظل تضارب الروايات وتوقيت الوفاة المريب. ورغم الإشارة إلى أن ياكوت كان يعاني مسبقًا من مشاكل قلبية وخضع لعدة عمليات تركيب دعامات، فإن ارتباط الحادث بظروف احتجازه، وتدهور حالته الصحية والنفسية، يعزز مناخ الشكوك، خاصة أن وفاته تأتي بعد ساعات من إطلاق سراحه.
من هو محمد ياكوت؟
برز اسم ياكوت على الساحة التركية في عام 2023 عندما نشر سلسلة فيديوهات على يوتيوب، اتّهم فيها شخصيات رفيعة في الحكومة التركية، من بينهم وزراء سابقون وأعضاء من الدائرة المقربة من الرئيس رجب طيب أردوغان، بالتورط في الفساد، والابتزاز، واستغلال السلطة. تميزت تلك الفيديوهات بأسلوب شخصي وساخر، وجذبت ملايين المشاهدات، قبل أن تُزال من المنصات بطلب من السلطات التركية. كما تناول ياكوت في مقاطعه قضايا خطيرة مثل تغلغل عالم الجريمة المنظمة في مؤسسات الدولة، والفساد في المشاريع العمومية، بل وتحدث عن احتمال “تغاضي الدولة” عن محاولة الانقلاب عام 2016 لاستغلالها ذريعة لتنفيذ حملة التصفية الشاملة في مؤسسات الدولة، وهو طرح يتصادم مع الرواية الرسمية.
شبكات الحماية ومحاولات الاغتيال
في خضم تصاعد التهديدات التي طالته، طلب ياكوت الحماية من أفراد من عائلة بايباشين، وهي عشيرة كردية نافذة ومقيمة في أوروبا، معروفة بعلاقاتها في الأوساط الكردية والشتات التركي. وقد سبق أن نجا ياكوت من محاولات اغتيال، وفق ما صرح به في مقاطع سابقة، مما دفعه للتنقل بين عدة دول أوروبية بحثًا عن ملاذ آمن.
ارتباطات مشبوهة واغتيال جميل أونال
لا يمكن فصل وفاة ياكوت عن حادثة اغتيال جميل أونال، الذي كان يشغل سابقاً منصب المدير المالي لزعيم المافيا التركي-القبرصي خليل فاليالي. أونال، الذي قُتل في رايسفاك الهولندية في 1 مايو الماضي، كان قد وجه اتهامات ضد شخصيات حكومية تركية بتلقي رشى من عائدات شبكات القمار غير الشرعية التابعة لفاليالي. وتكشف المعلومات أن كلا من ياكوت وأونال كانا على اتصال بالمدعي العام التركي المنفي بيرم بوزقورت، وكانا يخططان للكشف عن ملفات حساسة خلال الفترة المقبلة.
الوضع القانوني وعوائق الترحيل
واجهت أنقرة صعوبات قانونية في تسلّم ياكوت، حيث رفضت كل من إسبانيا وهولندا طلبات التسليم، مبررة ذلك باحتمال تعرضه للتعذيب والملاحقة السياسية. هذا الرفض أثار استياء السلطات التركية، التي كانت ترى في ياكوت مصدر تهديد نظراً لحجم المعلومات التي بحوزته.
شهادات ومعلومات طبية
في بث مباشر يوم الاثنين، كشف الصحفي جوهري جوفين عن تفاصيل ما قبل وفاة ياكوت، مشيرًا إلى أنه كان يعاني من مشاكل صحية مزمنة في القلب، وكان يمر بظروف مالية صعبة. وأضاف أن درجات الحرارة المرتفعة في المنطقة ربما ساهمت في تدهور حالته الصحية داخل الساونا، إلا أن غياب تقرير طبي رسمي يترك الباب مفتوحاً أمام العديد من السيناريوهات.
الإجراءات الرسمية والدفن
نُقلت جثة محمد ياكوت إلى الطب الشرعي الألماني لإجراء فحص شامل. ومن المنتظر أن يُنقل جثمانه إلى ديار بكر، مسقط رأسه في تركيا، لدفنه، بعد الحصول على موافقة عائلته واستكمال التحقيقات الطبية اللازمة. وحتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم تصدر أي جهة رسمية في ألمانيا أو هولندا بيانًا بشأن الحادث.

