تتزايد المخاوف في أنقرة من تداعيات اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ليس من زاوية انقطاع الإمدادات، بل من زاوية الكلفة المرتفعة والاختناقات اللوجستية التي قد تمتد آثارها إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد التركي.
طبيعة المخاطر: ارتفاع التكاليف بدل انقطاع الإمدادات
تشير التقديرات إلى أن الخطر الأساسي الذي تواجهه تركيا لا يتمثل في توقف تدفق الطاقة بشكل كامل، بل في ارتفاع أسعار النفط والغاز، وتأخر الشحنات، وتراجع القدرة التنافسية للصادرات.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصعيد عسكري بدأ بضربات أمريكية وإسرائيلية على إيران أواخر شباط، تبعها رد إيراني استهدف أصولاً أمريكية في دول الخليج، ما وسّع نطاق المخاطر ليشمل سلاسل الإمداد الصناعية وأسواق الشحن العالمية.
مضيق هرمز: شريان عالمي تحت الضغط
يُعد مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم، إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة مماثلة من شحنات الغاز الطبيعي المسال.
وقد تراوحت أسعار النفط منذ اندلاع الأزمة بين 85 و120 دولاراً للبرميل، ما يعكس حساسية الأسواق تجاه أي تهديد في هذا الممر الحيوي.
في محاولة لاحتواء الصدمة، قررت الوكالة الدولية للطاقة ضخ نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية خلال فترة زمنية محددة، ساهمت تركيا فيها بحصة بلغت 11.6 مليون برميل.
انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الكلي
تعتمد تركيا بشكل كبير على واردات الطاقة، حيث تتراوح فاتورتها السنوية بين 60 و65 مليار دولار.
وتشير التقديرات إلى أن كل زيادة بمقدار 10 دولارات في أسعار النفط والغاز قد ترفع عجز الحساب الجاري بنحو 4.5 إلى 5 مليارات دولار.
كما أن استقرار الأسعار عند مستويات بين 90 و100 دولار ألغى فعلياً الافتراضات التي بُنيت عليها موازنة عام 2026، والتي كانت تستند إلى سعر 65 دولاراً للبرميل.
وقد أدى تفعيل نظام الضريبة المرنة على الوقود، إلى جانب السحب من الاحتياطي النفطي في مطلع آذار، إلى تراجع إيرادات الضرائب وزيادة الضغط على التوازنات المالية.
اختناقات صناعية: سلاسل الإمداد تحت التهديد
تمتد تداعيات الأزمة إلى القطاع الصناعي، حيث تعتمد تركيا على واردات الألمنيوم والبتروكيماويات من دول الخليج بقيم سنوية تصل إلى مليارات الدولارات.
وتُشحن هذه المواد عبر موانئ الخليج مروراً بمضيق هرمز، ما يجعلها عرضة لأي اضطراب في حركة الملاحة.
كما يبرز مركب “أحادي إيثيلين غليكول” كأحد المدخلات الحساسة، إذ تستورد تركيا كميات كبيرة منه لاستخدامه في إنتاج الألياف الصناعية والبلاستيك. وأي خلل في إمداداته أو ارتفاع تكلفته سينعكس مباشرة على صناعات النسيج والتعبئة، وهي قطاعات تتجاوز صادراتها السنوية 30 مليار دولار.
الزراعة تحت الضغط: الأسمدة في دائرة الخطر
تواجه الزراعة التركية تحديات إضافية نتيجة احتمال ارتفاع أسعار الأسمدة. تستهلك تركيا سنوياً ملايين الأطنان من الأسمدة الكيميائية، مع اعتماد كبير على الواردات، خاصة من دول الخليج التي تؤمّن نسبة معتبرة من احتياجاتها.
وقد اتخذت الحكومة إجراءات عاجلة، شملت وقف تصدير اليوريا وعبورها، وزيادة المخزون المحلي، والبحث عن مصادر بديلة، إضافة إلى إلغاء الرسوم الجمركية على وارداتها.
ومع ذلك، فإن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن قد يرفع أسعار الأسمدة، ما يزيد كلفة إنتاج محاصيل أساسية مثل القمح والذرة وعباد الشمس، ويغذي التضخم الغذائي، خاصة في ظل انكماش القطاع الزراعي خلال العام السابق.
الشحن والتأمين: قفزات حادة في التكاليف
أدى تصنيف مضيق هرمز كمنطقة عالية المخاطر إلى ارتفاع كبير في تكاليف النقل البحري. فقد ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على ناقلات النفط من مستويات منخفضة إلى نسب مرتفعة من قيمة السفن، كما قفزت أسعار استئجار ناقلات الغاز الطبيعي المسال بشكل حاد.
هذه الزيادات، إلى جانب احتمال تغيير مسارات الشحن وإطالة زمن التسليم، ترفع تكاليف التجارة وتزيد الضغوط على المصدرين الأتراك، خاصة في قطاعات الصناعات التحويلية.
هوامش المناورة: بدائل وفرص محتملة
رغم هذه التحديات، تمتلك تركيا بعض أدوات التخفيف، من بينها تنويع مصادر الطاقة نحو روسيا وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى، إلى جانب احتمال استئناف تدفقات النفط العراقي عبر خط كركوك–جيهان.
كما قد تفتح الأزمة فرصاً غير مباشرة، إذ يمكن أن تؤدي اضطرابات سلاسل التوريد في الخليج وشرق آسيا إلى تسريع توجه الصناعات الأوروبية نحو “القرب الجغرافي” في الإنتاج، ما يعزز موقع تركيا كمركز صناعي إقليمي بفضل بنيتها التحتية وقربها من الأسواق الأوروبية.
خلاصة
أزمة مضيق هرمز لا تهدد تركيا بانقطاع الإمدادات بقدر ما تضغط عليها عبر ارتفاع التكاليف وتعقيد سلاسل الإمداد. ورغم المخاطر، قد تخلق التحولات الجارية فرصاً لتعزيز موقع تركيا الصناعي إقليمياً.

