تتواصل تداعيات قضية رجل الأعمال والناشط المدني عثمان كافالا، التي تحولت إلى أحد أبرز ملفات حقوق الإنسان المرتبطة بتركيا على الساحة الأوروبية، في ظل تصاعد الجدل حول مدى التزام أنقرة بأحكام القضاء الدولي، وحدود استقلال النظام القضائي الداخلي.
خلفية القضية: من احتجاجات غيزي إلى السجن المؤبد
تعود جذور القضية إلى احتجاجات غيزي بارك 2013 التي اندلعت في إسطنبول احتجاجاً على مشروع عمراني، قبل أن تتحول إلى موجة واسعة من التظاهرات المناهضة للحكومة.
في هذا السياق، أُوقف كافالا عام 2017، ثم صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد المشدد عام 2022، بتهمة محاولة تقويض النظام، وهو الحكم الذي تم تثبيته لاحقاً في عام 2023.
ورغم أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان كانت قد اعتبرت في عام 2019 أن احتجازه تعسفي ويحمل دوافع سياسية، فإن السلطات التركية لم تنفذ القرار، ما دفع المحكمة إلى إصدار حكم إضافي يؤكد عدم الامتثال.
جلسة ستراسبورغ: مواجهة قانونية حادة
في جلسة الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية التي عُقدت في ستراسبورغ، دافعت الحكومة التركية عن موقفها عبر فريقها القانوني، حيث قدّم علي أمراه بوزبايندر مرافعة اعتبر فيها أن المحاكم الدولية لا ينبغي أن تتدخل في تفاصيل القضايا الجنائية الوطنية.
كما وصف احتجاجات غيزي بأنها “حركة تمردية”، مؤكداً أن محاولة إسقاط الحكومة لا تتطلب نجاحاً فعلياً، بل يكفي وجود نية أو سعي لتحقيق ذلك، في طرح يعكس توسيعاً لمفهوم الجريمة السياسية.
رد كافالا: تحذير من منطق “التجريم الجماعي”
في المقابل، وجّه كافالا انتقادات حادة لهذا الطرح، معتبراً أنه يفتح الباب أمام اعتبار أفعال سلمية خالية من العنف جزءاً من جريمة جماعية، وهو ما يؤدي إلى طمس الحدود بين الفعل القانوني وغير القانوني.
وشبّه هذا المنطق بنظريات المؤامرة التي سادت في الحقبة الستالينية، لا سيما تلك المرتبطة بالمدعي السوفييتي أندريه فيشينسكي، والتي كانت تقوم على افتراض وجود وحدة هدف بين أشخاص قد لا تجمعهم أي صلة مباشرة.
كما انتقد الحجة التي تفترض أنه حرّض أو وجّه أفراداً لم يرتكبوا أصلاً جريمة محاولة إسقاط الحكومة، معتبراً أن هذا التصور أقرب إلى تفسيرات غير عقلانية، تُحمّل الأفراد مسؤوليات غير قائمة على وقائع ملموسة.
دور المحاكم العليا: بين الصلاحيات والتقويض
دافع كافالا عن دور كل من المحكمة الدستورية التركية والمحكمة الأوروبية في مراجعة الأدلة، مؤكداً أن تقليص صلاحياتهما في هذا المجال يُفرغهما من وظيفتهما الأساسية كضامنَين للحقوق.
وأشار إلى أن الخطر الحقيقي على مكانة المحكمة الدستورية لا يكمن في اللجوء إلى القضاء الدولي، بل في تجاهل المحاكم الأدنى لقراراتها، كما حدث في قضايا بارزة مثل قضية النائب جان أطالاي، وأحد المتهمين في ملف غيزي تايفون قهرمان.
أزمة أعمق: تآكل سيادة القانون
في تقييمه الأشمل، اعتبر كافالا أن المشكلة لا تقتصر على عدم تنفيذ الأحكام القضائية، بل تمتد إلى ثقافة مؤسسية تتسامح مع انتهاك قواعد القانون، سواء في السياسة أو الإدارة أو القضاء.
ورغم الإشارة إلى تقرير برلماني حديث يؤكد ضرورة الالتزام بأحكام المحكمة الأوروبية والدستورية، شدد على أن استمرار تجاهل هذه المبادئ يهدد بنية النظام القانوني برمته، مستخدماً استعارة “سفينة القانون” التي تمتلئ بالمياه تدريجياً، في إشارة إلى خطر الانهيار التدريجي.
تطورات موازية: قضايا غيزي تتوسع
في سياق متصل، علّق كافالا على إدانة مديرة أعمال فنية، عائشة باريم، بتهمة محاولة إسقاط الحكومة في قضية مرتبطة باحتجاجات غيزي، معتبراً أن الحكم يعكس تراجعاً في المعايير العقلانية لتقييم الأدلة، واتهم الادعاء بتقديم وقائع غير حقيقية على أنها أحداث مثبتة، واصفاً ذلك بسوء استخدام للسلطة.
ترقب الحكم: قرار مؤجل وتأثيرات مرتقبة
حتى الآن، لم تصدر الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية حكمها النهائي بشأن القضية، حيث أعلنت أنها ستتداول قبل إصدار قرارها في وقت لاحق.
ويُتوقع أن يحمل الحكم المرتقب دلالات تتجاوز مصير كافالا، ليؤثر في علاقة تركيا بالمؤسسات القضائية الأوروبية ومستقبل التزاماتها الحقوقية.
اختبار حاسم للعلاقة بين القانون والسياسة
تذكر مصادر مطلعة أن هذه القضية تعكس نقطة تقاطع حساسة بين القانون والسياسة، حيث تتداخل الاعتبارات القضائية مع السياقات السياسية الداخلية والخارجية. كما تطرح تساؤلات جوهرية حول حدود السيادة القضائية الوطنية ودور المحاكم الدولية في حماية الحقوق ومدى استقلال القضاء في القضايا ذات الطابع السياسي.
وتكشف في الوقت ذاته عن صراع مستمر بين منطق الدولة ومنطق الحقوق، في بيئة سياسية وقانونية شديدة التعقيد.
قضية كافالا تمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام تركيا بسيادة القانون والمعايير الأوروبية لحقوق الإنسان. الحكم المنتظر قد يعيد رسم حدود العلاقة بين القضاء الوطني والدولي في الملفات الحساسة.

