تصاعدت المخاوف الأمنية في أوروبا في ظل التهديدات الاستراتيجية المتزايدة، خاصة مع التلميحات الأميركية بإمكانية ترك القارة مكشوفة أمام الخطر الروسي. هذا الواقع دفع نحو تسريع النقاشات حول إنشاء جيش أوروبي موحد، حيث بات الأمر ليس مجرد فكرة مطروحة، بل تحول إلى خطوات ملموسة تمضي أوروبا قدماً نحو تنفيذها، وفقا للتقرير الذي نشره موقع “بولد” الإخباري التركي، والذي حرر نصوصه الكاتب الصحفي التركي آدم سَنَمان.
وفيما يلي خلاصة هذا التقرير:
السياق العام: تصاعد التهديدات الأمنية العالمية
منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، يشهد العالم – باستثناء أمريكا اللاتينية – أزمة أمنية متفاقمة تمتد من المحيط الهادئ إلى الأطلسي، ومن أميركا الشمالية إلى شرق أوروبا. تداعيات الحرب دفعت العديد من الدول إلى إعادة النظر في استراتيجياتها العسكرية والبحث عن شراكات أمنية جديدة، في ظل قلق متزايد بشأن مستقبل النظام الدولي. ومما زاد من حدة هذه المخاوف، الأزمة التي اندلعت بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والدول الأوروبية، ما منح موسكو فرصة استراتيجية غير متوقعة.
موقف فرنسا والتغير في العقيدة الأمنية الأوروبية
تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة جاءت لتؤكد حجم التهديد الذي تواجهه أوروبا، حيث أشار إلى أن روسيا تخطط لحشد ثلاثة ملايين جندي بحلول عام 2030، إلى جانب إنتاج 4000 دبابة جديدة. وأمام هذا الواقع، شددت باريس على ضرورة تحرك أوروبا سريعاً لحماية نفسها، معلنة استعدادها للدخول في محادثات حول استخدام قدراتها النووية لحماية الاتحاد الأوروبي بأكمله.
إلا أن القلق الأوروبي لم ينشأ فقط بسبب إدارة ترامب، إذ حتى في ظل حكم الحزب الديمقراطي الأميركي، كانت واشنطن تعيد توجيه استراتيجيتها الأمنية. ولو استمرت الإدارات الديمقراطية في الحكم، ربما لم تكن التغييرات بالحدة نفسها، لكنها كانت ستحدث بشكل حتمي. فالتحدي الرئيسي الذي تواجهه الولايات المتحدة يتمثل في الصين، ما يدفعها إلى التركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بينما تحث أوروبا على تحمل مسؤولية أمنها بنفسها.
الاستراتيجية الأميركية: تقليص الوجود العسكري في أوروبا
يبدو واضحًا أن الاستراتيجية الدفاعية الأميركية لم تعد تضع أمن أوروبا على رأس أولوياتها. إذ تسعى واشنطن إلى تقليص وجودها العسكري في القارة، حيث لا يزال لديها 100 ألف جندي منتشرين هناك. وبالرغم من أن هذا الرقم قد يبدو متواضعًا، إلا أن البنية التحتية العسكرية الأميركية في أوروبا مصممة لاستيعاب تعزيزات ضخمة بسرعة في حالة اندلاع أزمة كبرى.
تصاعد الدعوات لإنشاء جيش أوروبي موحد
في ظل هذا الوضع، باتت أوروبا أكثر إدراكًا لضرورة بناء منظومة دفاعية مستقلة. إذ لم يعد النقاش حول تشكيل جيش أوروبي مجرد طرح نظري، بل تحولت الفكرة إلى خطوات عملية، خاصة بعد أن أثبتت الحرب في أوكرانيا أن التهديد الروسي لم يعد مجرد سيناريو افتراضي. وقد أكد تقرير استخباراتي تابع لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أن موسكو قد تصبح مستعدة لشن هجوم على أوروبا خلال فترة تتراوح بين 3 إلى 10 سنوات.
هذا التطور دفع حتى الدول التي كانت متحفظة على فكرة الجيش الأوروبي عام 2024 إلى تخصيص ميزانيات ضخمة للاستثمار في الصناعات الدفاعية. كما أصبحت القمم الأوروبية المتعلقة بالأمن والدفاع تعقد بوتيرة متسارعة، فيما أبدى قادة بارزون مثل رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والمستشار الألماني المنتظر فريدريش ميرتس دعمهم الصريح لفكرة تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية.
التحديات التقنية والعسكرية لإنشاء الجيش الأوروبي
إن تشكيل جيش أوروبي ليس مجرد قرار سياسي، بل يستلزم تجاوز عقبات تقنية واستراتيجية معقدة. فأوروبا تجد نفسها في مواجهة قوة عسكرية ضخمة تتمثل في روسيا، التي عززت قدراتها الإنتاجية بشكل هائل منذ عام 2022. ففي عام 2024 وحده، قامت موسكو بإنتاج أو تحديث 1550 دبابة، و5700 مركبة مدرعة، و450 منظومة مدفعية من مختلف الأنواع، إلى جانب نشر 1800 قطعة من الذخائر طويلة المدى. بالمقارنة بعام 2022، فإن هذه الأرقام تمثل زيادة بنسبة 220% في إنتاج الدبابات، و150% في المركبات المدرعة والمدفعية، و435% في الذخائر بعيدة المدى.
متطلبات الدفاع الأوروبي في مواجهة التهديد الروسي
تشير تقديرات الخبراء إلى أن أوروبا بحاجة إلى 1400 دبابة، و2000 مركبة مشاة قتالية، و700 مدفع، إضافة إلى تخزين مليون قذيفة مدفعية عيار 155 ملم، لمواجهة سيناريو حرب طويلة الأمد في منطقة البلطيق وحدها. تحقيق هذه الأهداف يتطلب استثمارات ضخمة في منشآت التصنيع العسكري، بالإضافة إلى تأمين الموارد البشرية المدربة لاستخدام هذه المعدات بكفاءة.
التحديات المالية والتكاليف الباهظة
لا يقتصر التحدي على الجوانب اللوجستية والتصنيعية، بل يمتد ليشمل الأعباء المالية الضخمة. فقد أظهرت دراسة صادرة عن مركز “بروغل” أن ألمانيا وحدها ستحتاج إلى رفع ميزانيتها الدفاعية من 80 مليار دولار إلى 140 مليار دولار سنويًا (ما يعادل 3.5% من ناتجها المحلي الإجمالي). كما أن تحقيق الهدف الأوروبي المشترك بإنفاق 250 مليار دولار سنويًا على الدفاع يتطلب التزامًا مماثلًا من بقية دول الاتحاد الأوروبي.
فعلى سبيل المثال، تبلغ تكلفة 1400 دبابة من طراز “ليوبارد” الألمانية وحدها نحو 40 مليار دولار، وهو ما يكشف عن الحجم الهائل للإنفاق المطلوب في السنوات المقبلة.
العقبات البشرية: نقص الأفراد العسكريين
رغم كل هذه التحركات، يظل التحدي الأكبر أمام أوروبا هو تأمين القوى البشرية اللازمة. فألمانيا وحدها تعاني في توفير 40 ألف جندي للوفاء بالتزاماتها تجاه الناتو، فكيف ستتمكن من توفير 100 ألف جندي إضافي في المستقبل؟ أما على مستوى أوروبا ككل، فهناك 1.4 مليون عسكري في الخدمة، ولكن مجرد تأمين 300 ألف جندي للدفاع عن الجبهة الشرقية يمثل تحديًا كبيرًا.
الخلاصة: هل يتمكن الاتحاد الأوروبي من تجاوز عقباته؟
يواجه مشروع الجيش الأوروبي تحديات سياسية وعسكرية واقتصادية معقدة، إلا أن الضغوط الأمنية المتزايدة قد تدفع الأوروبيين إلى تسريع خطواتهم رغم كل الصعوبات. فمن اللافت أن فرنسا، التي رفضت قبل عقود فكرة إنشاء جيش أوروبي موحد عندما اقترحها الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور عقب الحرب العالمية الثانية، هي اليوم التي تتزعم هذا المشروع.
لتحقيق هذا الهدف، تحتاج أوروبا إلى تجاوز الخلافات السياسية الداخلية، ووضع استراتيجيات دفاعية بعيدة المدى، وبناء شراكات قوية – سواء داخل الاتحاد الأوروبي أو مع دول خارجه – لتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة عالم يزداد اضطرابًا.

