يقدّم الكاتب والباحث التركي المتخصص في العلاقات الدولية سدات لاتشينر قراءة مركّبة لتحرك إسرائيل في الاعتراف بجمهورية أرض الصومال (Somaliland) كدولة مستقلة، ويربطه بإعادة رسم عميقة لخريطة القرن الأفريقي والشرق الأوسط الكبير، وصراع نفوذ مفتوح بين أنقرة وتل أبيب على ممرات الطاقة والتجارة والأمن في البحر الأحمر والمحيط الهندي.
يرى لاتشينر أن ما يبدو قرارا دبلوماسيا محدودا هو في جوهره حلقة في مشروع استراتيجي أوسع تقوده عواصم غربية وإقليمية لإعادة ترتيب الدول وحدودها ووظائفها في المنطقة.
جغرافيا القرن الأفريقي وقلب الممرات العالمية
يشدد سدات لاتشينر على أن فهم خطوة الاعتراف بأرض الصومال يتطلب أولا إدراك القيمة الجيوسياسية الفائقة لمنطقة القرن الأفريقي عموما، والصومال وسواحلها على وجه الخصوص. فالصومال تمتد على ملتقى خليج عدن والبحر الأحمر والمحيط الهندي، في موقع يربط بين مسار السفن القادمة من شرق آسيا والصين والهند وكوريا واليابان وبين موانئ أوروبا والبحر المتوسط عبر مضيق باب المندب وقناة السويس.
ويشير إلى أن الصومال، رغم أنها من أكثر دول العالم فقرا واضطرابا، تقع فوق واحد من أثمن المواقع البحرية في النظام الاقتصادي العالمي؛ إذ تعبر قبالة سواحلها نسبة معتبرة من تجارة العالم ومن شحنات النفط والغاز والسلع الأساسية، فضلا عن ثروات سمكية ضخمة في مياهها الإقليمية استدرجت أساطيل صيد من الصين وكوريا الجنوبية وإيران وفرنسا وإسبانيا وغيرها، ما يعني أن البلد يخسر سنويا مئات الملايين من الدولارات بسبب استنزاف موارده البحرية دون قدرة حقيقية على الرقابة والاستثمار.
أرض الصومال بين التاريخ الاستعماري والواقع الانفصالي
بحسب لاتشينر، لا يمكن النظر إلى أرض الصومال باعتبارها مجرد إقليم متمرد في شمال البلاد؛ فالجغرافيا السياسية والتاريخ الاستعماري خلَقا وضعا خاصا لهذا الجزء من الصومال. فقد خضعت المنطقة منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى عام ستين وتسعمئة وألف للحكم البريطاني ضمن ما عُرف بـ“الصومال البريطاني”، بينما كانت بقية أراضي الصومال الحالية تحت الإدارة الإيطالية.
يذكّر بأن هذه الثنائية الاستعمارية أسست لمسارين سياسيين مختلفين نسبيا، رغم وحدة اللغة والدين والإثنية؛ إذ أعلن الشمال استقلاله عن بريطانيا في يونيو ١٩٦٠، وحصل على اعتراف عدة عشرات من الدول ككيان مستقل يحمل اسم أرض الصومال أو “الصومال البريطاني” السابق، قبل أن يلتحق بعد أيام قليلة بحلم “الصومال الكبير” ويتحد مع الجنوب لتشكيل جمهورية الصومال الموحدة. غير أن هذه الوحدة، التي بدت في ظاهرها تتويجا لنزعة قومية صومالية جامعة، حملت في داخلها بذور أزمة عميقة سرعان ما انفجرت.
من الوحدة إلى الحرب الأهلية: جذور الانفصال في الشمال
يرصد لاتشينر أن الكتلة القبلية المهيمنة في الشمال، وفي مقدمتها “قبيلة إسحاق”، شعرت خلال سنوات الجمهورية بأن مركز الثقل السياسي والاقتصادي يتركز بالكامل في مقديشو، وأن الشمال يُدار من العاصمة كهوامش تابعة وليست شريكا مساويا. ومع استيلاء الجنرال محمد سياد بري على السلطة بانقلاب عسكري أواخر الستينيات، تعمقت النزعات التسلطية، وتعرضت المعارضة في الشمال لعقاب عسكري قاس.
في ثمانينيات القرن الماضي، تشكلت “الحركة الوطنية الصومالية” كذراع مسلح لرفض هيمنة النظام على الشمال، ومع اشتداد المواجهة لجأ نظام سياد بري إلى قصف مكثف لمدينة هرجيسا عاصمة الشمال، ما أدى إلى تدمير واسع النطاق وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا، في واقعة يصفها كثيرون في المنطقة بأنها أقرب إلى محاولة إبادة ضد قاعدة إسحاق القبلية. هذه التجربة الدموية رسخت لدى نخب الشمال قناعة راسخة بأن التعايش مجددا مع الجنوب في إطار دولة واحدة أصبح شبه مستحيل.
إعلان “جمهورية أرض الصومال” وواقع “الدولة غير المعترف بها”
يوضح لاتشينر أن سقوط نظام سياد بري، ودخول الصومال في دوامة انهيار الدولة والحرب الأهلية، شكلا لحظة مفصلية استغلها زعماء الشمال لعقد مؤتمر قبلي–سياسي في مدينة “بُرعو”، أعلنوا فيه إلغاء اتفاق الوحدة عام ١٩٦٠، وإعادة بعث “جمهورية أرض الصومال” ككيان مستقل في حدود الشمال.
منذ ذلك الوقت، وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، نجح هذا الكيان في بناء مؤسسات أقرب إلى الدولة: جيش وأجهزة أمن، وبرلمان منتخب، وحكومة مركزية، وعملة خاصة، ونظام إداري مستقل، وجوازات سفر يتم استخدام بعضها في تنقلات محدودة. لكن رغم هذا الاستقرار النسبي مقارنة بالفوضى العميقة في باقي الصومال، ظل الواقع القانوني الدولي جامدا؛ فالأمم المتحدة لا تعترف إلا بالحكومة الفدرالية في مقديشو ممثلا وحيدا لدولة الصومال، ولم يجرؤ أي بلد على الاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة حتى اللحظة التي بادرت فيها إسرائيل إلى ذلك.
القرار الإسرائيلي: اعتراف من طرف واحد أم بداية إعادة رسم الخرائط؟
يؤكد سدات لاتشينر أن قرار حكومة بنيامين نتنياهو الاعتراف بأرض الصومال دولة مستقلة لا يمكن قراءته كخطوة رمزية أو معزولة؛ فهو أول اختراق رسمي لهذا الإجماع الدولي غير المكتوب على عدم المساس بوحدة الأراضي الصومالية. ويشير إلى أن الاعتراف كان متبادلا؛ إذ أعلنت سلطات أرض الصومال من جانبها اعترافها بإسرائيل، ما منح تل أبيب موطئ قدم سياسي في بيئة كان يُفترض نظريا أنها مغلقة أمام التطبيع، باعتبار أن سكانها تقريبا كلهم من المسلمين السنّة.
ويضيف أن نتنياهو تحدث علنا عن تنسيق مع الولايات المتحدة بشأن هذه الخطوة، وذهب إلى حد التلميح إلى أن واشنطن بصدد دراسة اتخاذ قرار مماثل في وقت لاحق، وإن كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد ظهر في تصريحات صحفية كمن لا يمتلك بعد تصورا واضحا عن طبيعة أرض الصومال ووضعها القانوني، مكتفيا بالقول إن الملف “قيد الدراسة” ضمن ملفات عديدة.
نظرة ترامب للصومال: بين العنصرية السياسية والحسابات الباردة
يرى لاتشينر أن تصريحات ترامب حول الصومال تعكس مزيجا من خطاب شعبوي عنصري ومن رؤية أمنية ضيقة؛ إذ سبق للرئيس الأميركي أن وصف دولا أفريقية وفقيرة بأنها “حفر قذرة”، وخص الصومال والعائدين منه بصورة شديدة السلبية عبر الربط بين الهجرة، والجريمة، والفشل الاقتصادي. وفي مداخلة له، تساءل ترامب – بلهجة ازدرائية – عن سبب استقبال الولايات المتحدة مهاجرين من “بلدان مدمرة” بدل استقبالهم من دول اسكندنافية مثل النرويج والسويد والدنمارك.
من منظور لاتشينر، هذا الخطاب يجعل من غير المرجح أن تكون الرغبة في “مساعدة الصوماليين” دافعا في نقاش الاعتراف بأرض الصومال؛ فالقضية هنا ليست تنموية أو إنسانية بل جزء من ملف أوسع يتعلق بتوازنات البحر الأحمر وباب المندب، وبملف إسرائيل، وبإدارة موجات الهجرة، وربما حتى ببعض الطروحات التي تتحدث عن نقل أعداد من اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضٍ أفريقية مقابل تسويات سياسية في ملفات أخرى.
إثيوبيا: الدولة الحبيسة الباحثة عن نافذة على البحر
يفرد لاتشينر مساحة واسعة لموقع إثيوبيا في هذه المعادلة، باعتبارها دولة ضخمة سكانيا (أكثر من مئة وثلاثين مليون نسمة) وواسعة جغرافيا، لكنها محرومة من أي منفذ بحري منذ استقلال إريتريا في التسعينيات. هذا “الحبس الجغرافي” يعقّد بشدة تجارة إثيوبيا الخارجية، التي تعتمد بنسبة ساحقة على موانئ جيبوتي لمرور صادراتها ووارداتها.
ويشير إلى أن الوصول إلى البحر عبر أراضي الصومال – ولا سيما عبر الساحل الذي تسيطر عليه أرض الصومال – بدا لإثيوبيا خيارا أكثر جاذبية من الاعتماد الدائم على جيبوتي أو الدخول في ترتيبات غير مستقرة مع إريتريا أو كينيا. من هنا جاءت اتفاقية (٢٠٢٤) بين أديس أبابا وسلطات أرض الصومال، والتي منحت بموجبها الأخيرة لإثيوبيا حق استخدام شريط ساحلي على البحر الأحمر بطول عشرين كيلومترا لمدة خمسين عاما، في مقابل اعتراف إثيوبي مرتقب باستقلال أرض الصومال ودعمها في المحافل الدولية.
اتفاق أديس أبابا – هرجيسا: مكاسب استراتيجية ومخاطر وجودية
يصف لاتشينر هذا الترتيب بأنه بالغ الخطورة لكل من الصومال والمنطقة؛ فمنح دولة أخرى امتياز استخدام شريط ساحلي بهذه المدة الطويلة يشبه – في الممارسة العملية – تنازل شبه دائم عن سيادة جزء حيوي من البلاد، ويحوّل أرض الصومال تدريجيا إلى منطقة نفوذ إثيوبية تقترب من وضع “الإقليم المقنّع” أكثر من كونها دولة كاملة السيادة.
كما يشير إلى أن هذا الاتفاق أثار غضبا واسعا لدى الحكومة الصومالية في مقديشو، ولدى دول عربية وإفريقية تخشى من أن يشكل سابقة خطيرة لتفكيك مزيد من الدول وإعادة رسم الحدود عبر صفقات ثنائية. في الوقت ذاته، لم تتراجع إثيوبيا عن جوهر الاتفاق رغم الضغوط، وإن كانت قد أخّرت خطوة الاعتراف الرسمي بأرض الصومال، خاصة بعد أن دخلت تركيا على خط الوساطة عبر “مسار أنقرة” لمحاولة تخفيف التوتر بين أديس أبابا ومقديشو.
تاسعا: براميل النفط ومرافئ الذهب: اقتصاد أرض الصومال الكامن
يلفت لاتشينر إلى أن قيمة أرض الصومال لا تتوقف عند مرور السفن وحسابات الجغرافيا؛ فالشمال الصومالي يُرجّح أن يحتوي على احتياطات من النفط والغاز والمعادن، إضافة إلى ثروات السمك التي تشترك فيها مع بقية السواحل الصومالية. التنقيب لا يزال في بداياته، لكن الشركات الإقليمية والدولية تتابع الملف عن كثب، وتعتبر المنطقة واحدة من آخر “الأراضي غير المستثمرة” في محيط غني بالموارد.
كما يذكر أن ميناء بربرة في أرض الصومال يجري تطويره وتوسعته ليصبح قاعدة لوجستية وتجارية أساسية، وخاصة لصالح إثيوبيا التي ترى فيه “رئة بحرية” محتملة بديلة أو موازية لموانئ جيبوتي. هذه التطورات تجعل من الميناء هدفا مغريا لكل من يسعى لتأمين موطئ قدم عسكري أو تجاري على هذا الشريط الحيوي.
التحالف الإثيوبي – الإسرائيلي: جذور قديمة ومصالح متجددة
يؤكد لاتشينر أن العلاقة بين إسرائيل وإثيوبيا ليست نتاج اللحظة الراهنة، بل امتداد لشبكة طويلة من الروابط التاريخية والدينية والسياسية. فإسرائيل تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها شريكا طبيعيا في مواجهة تمدد قوى إسلامية راديكالية في القرن الأفريقي، وفي صد نفوذ إيران عبر أذرع مثل الحوثيين في اليمن، وفي حماية خطوط الملاحة عبر البحر الأحمر.
ويشير إلى أن تل أبيب لعبت أدوارا مهمة في دعم القدرات الاستخبارية والعسكرية الإثيوبية، بما في ذلك حماية مشاريع حيوية مثل “سد النهضة” على النيل الأزرق من تهديدات محتملة، وتقديم تقنيات مراقبة وتنصت متقدمة. كما أن وجود أقلية يهودية إثيوبية (الفلاشا) أسهم في خلق جسور إضافية بين الدولتين، ضمن سرديات دينية تربط بين قصة ملكة سبأ وسليمان عليه السلام وبين جذور هذا المكوّن.
الاعتراف بأرض الصومال: مكسب مزدوج لإسرائيل
بحسب رؤية سدات لاتشينر، يمنح الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال تل أبيب مجموعة من المكاسب المتشابكة. أولها اختراق رمزي عميق في بلد تكاد تكون نسبة المسلمين فيه مئة بالمئة، بنظام قانوني يستلهم الشريعة الإسلامية، ومع ذلك يمنح إسرائيل اعترافا رسميا ويستقبل أعلامها بالترحيب في الشوارع والميادين، وهو ما يشكل – من منظور تل أبيب – أداة دعائية قوية في مواجهة الانتقادات التي تتهمها بأنها منبوذة في العالم الإسلامي.
ثاني هذه المكاسب يتعلق بالموقع؛ إذ يتيح هذا الاعتراف لإسرائيل أن تطالب لاحقا بترتيبات أمنية أو لوجستية، قد تصل – مع الوقت – إلى إنشاء منشآت عسكرية أو استخبارية في أرض الصومال أو بمشاركتها مع قوى حليفة، بما يمنحها نقطة ارتكاز مقابلة للسواحل اليمنية التي تنشط فيها جماعة الحوثي المدعومة من إيران. هكذا يتحول شريط الساحل الشمالي للصومال إلى جزء من شبكة تطويق استراتيجي للقوى المعادية لإسرائيل في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
تركيا والصومال: شراكة استراتيجية في قلب المحيط الهندي
يتوقف لاتشينر مطولا عند البعد التركي في هذا المشهد، مذكّرا بأن أنقرة عملت خلال الأعوام الأخيرة على بناء علاقة استراتيجية مع الحكومة الصومالية في مقديشو. فتركيا تمتلك اليوم أكبر قاعدة عسكرية لها خارج البلاد في العاصمة الصومالية، حيث تدير برنامجا موسعا لتدريب وتسليح وحدات النخبة في الجيش الصومالي، وتساهم في إعادة بناء البحرية الصومالية من الصفر.
ويشير إلى أن الاتفاقيات الموقعة خلال عامي ٢٠٢٤-٢٠٢٥ نقلت الشراكة إلى مستوى أعلى؛ إذ منحت الصومال لتركيا دورا محوريا في حماية سواحله من القرصنة والصيد غير المشروع والإرهاب البحري، إضافة إلى منح شركات تركية حق التنقيب عن النفط والغاز في مساحات واسعة من البر والبحر، مع خطط لبدء عمليات حفر فعلية خلال الأعوام القليلة المقبلة. كما أعلن الرئيس الصومالي عن مشروع لإقامة قاعدة أو منشأة متقدمة لأبحاث الفضاء والصواريخ بالتعاون مع أنقرة.
من مياه الصومال إلى حسابات الحصار: هل تستهدف خطوة إسرائيل تركيا؟
يرى لاتشينر أن هذا الحضور التركي الكثيف في الصومال لا يمكن فصله عن سياق التوتر المستمر بين أنقرة وتل أبيب، ولا عن مخاوف إسرائيل من أن تتحول تركيا إلى لاعب بحري كبير في المحيط الهندي والبحر الأحمر، بما يطوق إسرائيل من الجنوب بعد أن تصاعد التوتر بين الطرفين في سوريا وغزة.
ويشير إلى أن بعض التحليلات في الإعلام الإسرائيلي تقدم مشروع الاعتراف بأرض الصومال كجزء من استراتيجية مضادة للنفوذ التركي، تسعى إلى إقامة نقاط ارتكاز لدول حليفة لإسرائيل في مواجهة تمدد أنقرة في أفريقيا، تماما كما تخشى دول أوروبية وروسيا والصين من تمدد نفوذ تركيا ودول أخرى في القارة. من هذه الزاوية، يمكن فهم خطوة تل أبيب في إطار “معركة قواعد” غير معلنة على طول الممرات المائية الحيوية.
ردود الفعل الإقليمية والدولية: خطوط حمراء على وحدة الصومال
يبيّن لاتشينر أن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال أثار موجة استنكار من الحكومة الصومالية في مقديشو ومن دول عربية وإسلامية عدة، بينها تركيا ومصر وجيبوتي ودول عربية أخرى، رأت في الخطوة انتهاكا صريحا لوحدة الأراضي الصومالية ولمبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار في أفريقيا. كما عبر الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي عن رفضهما لأي تغيير أحادي في الوضع القانوني للصومال.
من وجهة نظر هذه الأطراف، الاعتراف بأرض الصومال يشبه – في الجوهر – منح الشرعية لمحاولة اقتطاع جزء من دولة معترف بها دوليا وخلق كيان جديد من خلال الأمر الواقع، ما يثير مخاوف من انتقال العدوى إلى دول أخرى، ويفتح الباب لمقارنات مع حالات مثل ضم روسيا لأراضٍ أوكرانية، أو مشاريع انفصال أخرى في القارة الأفريقية.
سيناريوهات التصعيد: حرب أهلية جديدة أم إعادة تفاوض؟
يحذر لاتشينر من أن السير قدما في مسار الاعتراف الدولي بأرض الصومال، خصوصا إذا لحقت الولايات المتحدة وربما دول أفريقية مثل إثيوبيا بإسرائيل، قد يدفع الصومال إلى حافة انفجار جديد، سواء في صورة حرب أهلية بين الشمال والجنوب، أو عبر إذكاء صراعات مسلحة بالوكالة بين القوى الإقليمية المتنافسة.
كما يلفت إلى أن الميليشيات المتشددة مثل حركة الشباب المرتبطة بالقاعدة قد تستغل حالة الاحتقان الوطني لتجنيد المزيد من الشباب تحت شعار “الدفاع عن وحدة الصومال” ضد “التقسيم المدعوم من الخارج”، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد الأمني في بلد يعاني أصلا من هشاشة مؤسسات الدولة. في المقابل، قد يدفع الضغط الدولي أطراف النزاع إلى طاولة تفاوض تبحث عن صيغ فدرالية أو كونفدرالية جديدة تعترف بخصوصية الشمال دون الوصول إلى الانفصال التام.
إشارات إلى ملفات أخرى: اليمن، السودان، وموجة إعادة التقسيم
يضع سدات لاتشينر قضية أرض الصومال ضمن سياق أوسع من إعادة تشكيل الخريطة السياسية في المنطقة. فالسودان يعيش بالفعل حالة تفكك وتعدد سلطات وحروب داخلية تنذر بمزيد من التقسيم. واليمن يبدو متجها هو الآخر إلى احتمال العودة إلى صيغة الشطرين الشمالي والجنوبي، تحت تأثير القوى نفسها تقريبا التي تتدخل في الصومال والقرن الأفريقي.
ويرى أن الحديث عن “الشرق الأوسط الكبير” لم يعد مجرد شعار أميركي قديم، بل أخذ يتجسد ميدانيا في تغييرات حدودية وسيادية فعلية، بعضها معلن وبعضها يتم عبر خلق كيانات أمر واقع فوق أراضٍ رسميا تابعة لدول أخرى. في هذا السياق، تصبح أرض الصومال نموذجا واضحا لأسلوب “قصّ الأطراف” بهدف تشكيل هندسة أمنية جديدة تسمح لقوى بعينها بالتحكم في منافذ البحار وطرق التجارة والطاقة.
تكهنات حول ملف غزة واللاجئين
يتوقف لاتشينر عند ما تردد في بعض الأوساط البحثية والإعلامية عن ربط بين الاعتراف بأرض الصومال وبين أفكار تتعلق بإعادة توطين أعداد من اللاجئين الفلسطينيين في دول أفريقية. فبعض التسريبات تحدّث عن قبول مبدئي من سلطات أرض الصومال باستقبال ما يصل إلى مليون فلسطيني مقابل حزمة من الاعترافات والاستثمارات، وإن كانت هذه الأنباء لم تتحول إلى اتفاقات معلنة.
حتى لو لم تُترجم هذه الفكرة إلى واقع، فإن مجرد تداولها – في رأي لاتشينر – يكشف عن طريقة التفكير التي تتعامل مع قضايا بحجم القضية الفلسطينية كملفات قابلة للتفكيك الجغرافي والديموغرافي، معتمدة على إغراءات مالية وتحالفات أمنية مع دول صغيرة لكنها ذات موقع استراتيجي.
الداخل في أرض الصومال: بين النشوة والتهديدات الكامنة
يسجل لاتشينر أن الاعتراف الإسرائيلي قوبل في مدن أرض الصومال بمظاهر احتفالية لافتة؛ أعلام إسرائيل مرفوعة في الشوارع، تصريحات رسمية تشيد بالخطوة كاعتراف طال انتظاره بدولة “مظلومة”، واحتفاء إعلامي محلي بتقديم الكيان الجديد كعضو جديد في “العالم المعترف به”. هذه المشاهد، في بلد مسلم بالكامل تقريبا، تخلق مفارقة حادة مع المزاج العام في العالم الإسلامي، وخاصة في ظل الحرب على غزة واستمرار مأساة الفلسطينيين.
في المقابل، تعيش القيادة في هرجيسا تحت ضغط تناقضات كبيرة: فهي من جهة تحتاج إلى دعم خارجي واستثمارات لتثبيت كيانها الوليد اقتصاديا وعسكريا، ومن جهة أخرى تواجه خطر تحول أرض الصومال إلى ساحة صراع بالوكالة وهدف مشروع لقوى إقليمية ترى في التحالف مع إسرائيل تهديدا مباشرا لأمنها.
صراع المشاريع الكبرى: أنقرة، تل أبيب، لندن، واشنطن
ينهي سدات لاتشينر تحليله بالتأكيد على أن ما يجري في أرض الصومال ليس صراعا محليا على حدود ولا مجرد خلاف بين حكومتين؛ بل هو جزء من تفاعل بين مشاريع كبرى تتحرك من عواصم مثل واشنطن ولندن وتل أبيب، وتجد في هشاشة الدول في القرن الأفريقي فرصة لتحقيق أهداف بعيدة المدى.
وفي المقابل، يرى أن قدرة هذه المشاريع على إعادة رسم المنطقة ليست قدرا محتوما؛ فهي مرتبطة بمدى قدرة القوى الإقليمية – مثل تركيا ومصر ودول عربية أفريقية أخرى – على بلورة مواقف موحدة واستراتيجيات مضادة تتجاوز ردود الفعل الآنية. إذا غاب هذا النوع من الرد، يحذر لاتشينر من أن السنوات القليلة المقبلة قد تشهد موجة غير مسبوقة من إعادة ترسيم الحدود وإنتاج “دول جديدة” في أفريقيا والشرق الأوسط، على شاكلة ما يجري اليوم في أرض الصومال.

