في خضم تصاعد السجال الدولي عقب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، خرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليضع حداً للتكهنات المتداولة حول دور محتمل لأنقرة في ترتيبات ما قبل العملية الأميركية.
أردوغان أكد بشكل قاطع أن بلاده لم تتلقَّ أي عرض أو تواصل بشأن استضافة مادورو في المنفى، نافياً علم أنقرة بأي مقترح من هذا النوع قبل تنفيذ العملية العسكرية الأميركية.
خلفية التسريبات الأميركية وحدود الرواية المتداولة
جاء النفي التركي بعد تداول تقارير في الإعلام الأميركي تحدثت عن عرض قُدِّم لمادورو يقضي بتخليه عن السلطة مقابل خروجه إلى تركيا، في إطار ما وُصف بمحاولة تجنب المواجهة العسكرية.
ووفق هذه الروايات، طُرح العرض أواخر كانون الأول، على أن يكون الرفض الفنزويلي سبباً مباشراً في اتخاذ قرار التدخل العسكري مطلع كانون الثاني. هذه السردية عززها لاحقاً مسؤولون أميركيون، معتبرين أن مادورو أضاع فرصة “الخروج الآمن”.
عملية عسكرية أنهت 12 عاماً من الحكم
في فجر الثالث من كانون الثاني، نفذت القوات الأميركية عملية خاطفة أفضت إلى اعتقال مادورو وزوجته سيليا فلوريس، في عملية حملت اسماً عسكرياً خاصاً، أنهت عملياً أكثر من عقد من حكمه.
جرى نقل الزوجين في اليوم نفسه إلى نيويورك، حيث وُجِّهت إليهما لائحة اتهام ثقيلة تشمل التآمر في قضايا مخدرات وتهماً مرتبطة بالأسلحة. وبعد أيام، مثُلا أمام محكمة فيدرالية في مانهاتن وأعلنا عدم إقرارهما بالتهم المنسوبة إليهما.
تداعيات داخلية في تركيا وجدال سياسي متصاعد
الادعاءات المتعلقة بدور تركي محتمل لم تبقَ في الإطار الخارجي، بل انعكست على الداخل السياسي التركي. فقد أثار زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض تساؤلات علنية حول ما إذا كانت الحكومة التركية قد أُبلغت بأي عرض أميركي من هذا النوع، مطالباً بتوضيحات رسمية. وجاء رد أردوغان لينفي بشكل مباشر وجود أي تواصل أو علم مسبق، في محاولة لاحتواء الجدل ومنع تحميل أنقرة أدواراً لم تعترف بها.
علاقات شخصية وسياسية معقدة
النفي التركي يكتسب دلالة خاصة في ضوء العلاقات الوثيقة التي ربطت أردوغان بمادورو على مدى سنوات. فقد وصفه الرئيس التركي مراراً بـ«الأخ»، ووقفت فنزويلا إلى جانب أنقرة بعد محاولة الانقلاب عام 2016، كما شهدت العلاقات تعاوناً في مجالات الطاقة والتجارة. وكان أردوغان من بين قلة من القادة الذين هنأوا مادورو بفوزه في انتخابات عام 2024، رغم التشكيك الدولي الواسع في نزاهتها.
موقف تركي متحفظ بعد الإطاحة بالحليف
على عكس لهجته الداعمة سابقاً، التزمت أنقرة قدراً كبيراً من الحذر عقب اعتقال مادورو. فاكتفت الخارجية التركية بالإعلان عن متابعة التطورات، قبل أن يكسر أردوغان صمته بعد أيام، مؤكداً أنه حذّر نظيره الأميركي من مخاطر إدخال فنزويلا في حالة فوضى. وشدد خلال تواصله مع ترامب على أن أي مساس بسيادة الشعوب أو انتهاك للقانون الدولي ستكون له تبعات خطيرة على النظام الدولي.
الموقف التركي
يعكس النفي الصريح محاولة تركية للفصل بين العلاقات الشخصية والسياسية التي جمعت أردوغان بمادورو، وبين واقع جديد فرضته العملية الأميركية. فأنقرة تبدو حريصة على عدم الظهور كطرف مشارك أو وسيط في ترتيبات انتهت بتدخل عسكري، وفي الوقت ذاته تسعى للحفاظ على خطاب قانوني يحذر من تداعيات كسر قواعد السيادة.
خلاصة
بنفيه تلقي أي عرض لاستضافة مادورو، يسعى أردوغان إلى تحييد أنقرة عن سيناريوهات سبقت العملية الأميركية. وبين العلاقات القديمة والحذر الراهن، يبرز الموقف التركي كمعادلة دقيقة بين الواقعية السياسية والتمسك المعلن بمبادئ السيادة.

