أعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن “انزعاج عميق” إزاء الضربات التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، في تطور عسكري خطير أعاد خلط أوراق التوازنات الإقليمية. غير أن أنقرة، في موقف يعكس حرصها على عدم الانزلاق إلى اصطفاف حاد، أدانت في الوقت ذاته الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي أطلقتها طهران باتجاه أهداف في الخليج وإسرائيل، ووصفتها بأنها “غير مقبولة أياً كانت الذريعة”.
التصريحات التركية جاءت بعد ساعات من تصاعد المواجهة التي بدأت بضربات إسرائيلية وأميركية استهدفت مواقع داخل إيران، قبل أن تمتد سريعاً إلى رد إيراني طال منشآت في دول خليجية وأهدافاً داخل إسرائيل، ما رفع منسوب التوتر إلى مستوى غير مسبوق منذ سنوات.
خطاب مزدوج: إدانة التصعيد والدعوة إلى التفاوض
في خطاب متلفز، شدد أردوغان على أن تركيا دفعت منذ فترة طويلة باتجاه استئناف قنوات الحوار بين الأطراف المتصارعة، غير أن “فقدان الثقة المتبادل” حال دون تحقيق تقدم ملموس. وأعلن أن أنقرة ستعمل على “تسريع” جهودها الدبلوماسية لإعادة جميع الأطراف إلى طاولة المفاوضات، في محاولة لاحتواء دوامة العنف.
يرى مراقبون أن هذا الخطاب المزدوج يعكس مقاربة تركية تقليدية تقوم على إدانة استخدام القوة مع الحفاظ على جسور التواصل مع جميع الفاعلين، بما يسمح لأنقرة بلعب دور الوسيط الإقليمي. فتركيا تحتفظ بعلاقات معقدة ومركبة مع كل من إيران والولايات المتحدة، كما أن علاقتها بإسرائيل شهدت تقلبات حادة خلال العقد الماضي، قبل أن تدخل في مسار تطبيع حذر.
تحرك دبلوماسي مكثف
في سياق التحرك التركي، أجرى وزير الخارجية هاكان فيدان اتصالاً هاتفياً بنظيره الإيراني عباس عراقجي، إضافة إلى ستة دبلوماسيين كبار آخرين، لبحث سبل وقف الهجمات وتخفيف التصعيد. وتؤشر هذه الاتصالات إلى محاولة تركية لنسج شبكة تواصل متعددة الأطراف، لا تقتصر على طهران وحدها، بل تشمل عواصم إقليمية ودولية معنية بتطورات الأزمة.
كما أجرى وزير الداخلية مصطفى تشيفتشي اتصالات مع نظرائه في كل من أذربيجان والعراق، وهما دولتان تتشاركان حدوداً مع إيران، لبحث سبل تعزيز التعاون الأمني في ظل المخاوف من امتداد الاضطرابات عبر الحدود.
الجبهة الداخلية: طمأنة أمنية واستعدادات احترازية
على الصعيد الأمني، أكد أردوغان أن بلاده لم تسجل أي خلل على طول الحدود الممتدة لنحو خمسمئة كيلومتر مع إيران، مشيراً إلى أن الشرطة والدرك وأجهزة الاستخبارات تتخذ تدابير احترازية مشددة. هذه الرسائل تهدف إلى طمأنة الداخل التركي في ظل مخاوف تقليدية من تداعيات الفوضى الإقليمية، سواء عبر نشاطات تهريب أو تسلل عناصر مسلحة أو موجات نزوح محتملة.
وتدرك أنقرة أن أي تصعيد واسع النطاق قد يؤدي إلى تحركات سكانية مفاجئة، خصوصاً أن تركيا تستضيف أكثر من أربعة وسبعين ألف إيراني يحملون تصاريح إقامة، إضافة إلى نحو خمسة آلاف لاجئ إيراني. كما أن تجارب سابقة في المنطقة أظهرت كيف يمكن للحروب أن تفتح مسارات لجوء جديدة، وهو ما يشكل عبئاً سياسياً واقتصادياً على الحكومة التركية.
حسابات التوازن الإقليمي
لطالما حذرت دول الجوار الإيراني من أن توجيه ضربات واسعة لإيران قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها. فإيران لاعب مركزي في عدد من الساحات، من العراق إلى سوريا ولبنان، وأي إضعاف مفاجئ أو رد عسكري واسع قد يطلق سلسلة تفاعلات يصعب احتواؤها.
بالنسبة لتركيا، تمثل الأزمة اختباراً دقيقاً لمعادلة التوازن التي تسعى إلى ترسيخها: فهي عضو في حلف شمال الأطلسي وشريك أمني للولايات المتحدة، لكنها في الوقت ذاته ترتبط بعلاقات اقتصادية وأمنية مع إيران، وتنسق معها في ملفات إقليمية معقدة. ومن هنا، تبدو أنقرة حريصة على إدانة الضربات التي تستهدف دولة مجاورة، دون أن تمنح غطاءً لردود فعل قد تهدد استقرار الخليج، الذي يرتبط معها بعلاقات اقتصادية واستثمارية متنامية.
سيناريوهات مفتوحة ومخاطر ممتدة
التصعيد الحالي يفتح الباب أمام ثلاثة مسارات محتملة: احتواء سريع عبر وساطات إقليمية ودولية، أو استمرار الضربات المتبادلة ضمن سقف محسوب، أو انزلاق إلى مواجهة أوسع قد تستدرج أطرافاً إضافية. في جميع الأحوال، تبدو تركيا معنية بتثبيت نفسها كفاعل دبلوماسي قادر على التواصل مع مختلف المعسكرات، مستفيدة من موقعها الجغرافي وثقلها السياسي.
غير أن نجاح هذا الدور يظل مرهوناً بمدى استعداد الأطراف المتصارعة لتقديم تنازلات، وهو أمر لا تبدو مؤشراته واضحة حتى الآن في ظل تصاعد خطاب الردع المتبادل.
خلاصة
أنقرة تحاول السير على خيط دقيق بين إدانة الضربات الغربية على إيران ورفض الرد الإيراني على الخليج، مع تكثيف تحركاتها الدبلوماسية لمنع انفجار إقليمي واسع. المعادلة التركية تقوم على حماية أمنها الحدودي والحفاظ على دور الوسيط، في لحظة إقليمية شديدة السيولة والمخاطر.

