في لحظة إقليمية ودولية بالغة التعقيد، كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن فحوى اتصال هاتفي جمعه بنظيره الأميركي دونالد ترامب، تناول التطورات المتسارعة في فنزويلا عقب العملية العسكرية الأميركية التي أطاحت بحليف أنقرة، الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ونقله إلى الولايات المتحدة.
الاتصال جاء بعد أيام قليلة من قصف العاصمة كراكاس وإنهاء اثني عشر عامًا من حكم مادورو، ما جعل الموقف التركي محط أنظار سياسية ودبلوماسية واسعة.
تحذير من كسر قواعد النظام الدولي
أردوغان، في تصريحات أدلى بها للتلفزيون التركي عقب اجتماع لمجلس الوزراء، شدد على أنه نبّه ترامب إلى خطورة أي مساس بسيادة الشعوب أو تجاوز قواعد القانون الدولي. واعتبر أن مثل هذه الخطوات لا تتوقف عند حدود الدولة المستهدفة، بل تفتح الباب أمام “تعقيدات خطيرة” تمس بنية النظام الدولي ذاته. ووفق الرؤية التركية، فإن تغليب القوة على القانون لا ينتج استقرارًا، بل يراكم الأزمات ويمهّد لصراعات أوسع.
هاجس الفوضى والانهيار
المحور المركزي في الرسالة التركية تمثل في التحذير من انزلاق فنزويلا إلى الفوضى أو عدم الاستقرار. أنقرة ترى أن إسقاط السلطة بالقوة، مهما كانت المبررات، يخلق فراغًا سياسيًا وأمنيًا يصعب التحكم في مآلاته، خصوصًا في بلد يعاني أصلًا من أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة. ومن هذا المنطلق، دعا أردوغان إلى تجنب سيناريو الانهيار، معتبرًا أن استقرار فنزويلا ليس شأنًا داخليًا فحسب، بل عاملًا مؤثرًا في التوازن الإقليمي والدولي.
موقف مبدئي أم دفاع عن حليف؟
في حديثه، لم يخفِ أردوغان الإشارة إلى طبيعة العلاقة التي ربطت بلاده بمادورو والشعب الفنزويلي، مؤكدًا أن أنقرة تصرّفت وتسعى دائمًا إلى العمل بما يخدم مصالح تركيا والشعب الفنزويلي “الصديق”. وأشار إلى أن مادورو وفنزويلا أظهرا مرارًا مواقف داعمة لتركيا، ما يضفي بعدًا سياسيًا وأخلاقيًا على الموقف التركي، دون أن يعني ذلك تبرير الفوضى أو تجاهل تداعيات استخدام القوة.
القانون في مواجهة القوة
في سياق متصل، أعاد أردوغان التذكير بمعادلة أساسية في السياسة الدولية: حين تنتصر القوة على القانون، تصبح الفوضى نتيجة شبه حتمية. هذا الطرح ينسجم مع الخطاب التركي التقليدي الداعي إلى احترام السيادة الوطنية، حتى في حالات الخلاف السياسي الحاد، ويعكس في الوقت نفسه قلقًا من تكريس سابقة قد تُستَخدم لاحقًا في ساحات أخرى.
ملف فنزويلا وارتداداته على العلاقات التركية–الأميركية
اللافت أن تصريحات أردوغان حول فنزويلا جاءت متداخلة مع ملف آخر لا يقل حساسية، هو مستقبل العلاقات الدفاعية بين أنقرة وواشنطن. فقد أعاد الرئيس التركي التعبير عن اعتقاده بأن ترامب سيفتح قريبًا الباب أمام عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات F-35، بعد ما وصفه بالإقصاء “غير العادل”.
تركيا كانت قد أُخرجت من البرنامج عام 2019 وتعرضت لاحقًا لعقوبات بسبب شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، إلا أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض أعادت إحياء الآمال بإنهاء هذا الخلاف المزمن.
تقاطع الملفات وتوازن الخطاب
يعكس هذا التداخل بين التحذير من فوضى فنزويلا والتأكيد على أهمية إعادة تركيا إلى برنامج F-35 محاولة تركية لإدارة التباينات مع واشنطن بلغة مزدوجة: نقد صريح لاستخدام القوة خارج إطار القانون، يقابله حرص واضح على إبقاء قنوات التفاهم مفتوحة في الملفات الاستراتيجية الكبرى. أنقرة، في هذا السياق، تسعى إلى تثبيت نفسها طرفًا مدافعًا عن الاستقرار الدولي، دون التضحية بمصالحها الدفاعية مع الحليف الأميركي.
خلاصة
يحاول أردوغان، عبر موقفه من فنزويلا، الموازنة بين الدفاع عن مبدأ السيادة والتحذير من الفوضى، وبين الحفاظ على مسار تفاوضي مفتوح مع واشنطن. الرسالة التركية تبدو واضحة: القوة قد تغيّر الوقائع، لكنها لا تصنع استقرارًا، فيما يبقى القانون الدولي شرطًا لا غنى عنه لأي نظام عالمي قابل للاستمرار.

