تشهد إيران ضغوطًا متزايدة تهدد سيادتها في ظل التطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط، خصوصًا بعد الأحداث الأخيرة في كل من لبنان وسوريا، مما يجعل السؤال عن قدرتها على الحفاظ على قوتها العسكرية وسيادتها أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
وبالرغم من محاولات إيران تعزيز قدراتها العسكرية، إلا أن المعطيات على الأرض تشير إلى أن التحديات التي تواجهها تتزايد يومًا بعد يوم، وفقا لتقرير نشره موقع “بولد” الإخباري التركي وحرر نصوصه الكاتب الصحفي آدم سَنَمان.
وفيما يلي خلاصة هذا التقرير:
عودة إيران إلى المشهد الإقليمي بعد 11 سبتمبر
بدأت مسيرة إيران نحو استعادة نفوذها الإقليمي بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، والتي وفرت لطهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها في الشرق الأوسط. استغلت إيران الفوضى الناجمة عن التدخل الأمريكي في أفغانستان والعراق لتعزيز نفوذها عبر دعم القوى الشيعية في المنطقة. كما استفادت من رفض تركيا التعاون مع الولايات المتحدة في غزو العراق، ما أزاح خصمًا إقليميًا تقليديًا من المعادلة.
خلال هذه الفترة، دعمت إيران الولايات المتحدة بشكل غير مباشر في أفغانستان والعراق، مقابل تعزيز وجودها في العراق عبر الحشد الشعبي والميليشيات المرتبطة بها. توسع النفوذ الإيراني ليشمل اليمن عبر دعم الحوثيين، ما أدى إلى تصعيد التوترات مع السعودية واندلاع الحرب الأهلية اليمنية.
موجة جديدة من النفوذ بعد الربيع العربي
مع اندلاع ثورات الربيع العربي، تحركت إيران بسرعة لدعم الأقليات الشيعية في دول الخليج، مثل البحرين، ما أثار القلق في السعودية. كما دعمت إيران حليفها الأبرز، حزب الله اللبناني، ليصبح أقوى من أي وقت مضى. وفي سوريا، قدمت دعمًا غير محدود للنظام السوري بقيادة بشار الأسد، مما ساهم في إطالة أمد الحرب الأهلية السورية.
علاوة على ذلك، استغلت إيران صعود تنظيم “داعش” لتعزيز صورتها كقوة تحارب التطرف. هذا التكتيك مكنها من تحسين علاقاتها مع الغرب وأتاح لها مجالًا للتحرك بحرية أكبر في العراق وسوريا، مما ساعدها على كسر العقوبات الاقتصادية عبر تركيا ودول أخرى.
تراجع النفوذ الإيراني في السنوات الأخيرة
ومع ذلك، تعرض النفوذ الإيراني لضربات متتالية خلال العقد الماضي. اغتيال قاسم سليماني، أحد أبرز قادة الحرس الثوري، كان بداية لسلسلة من الانتكاسات. الرد الإسرائيلي على تهديدات حزب الله وحماس تضمن عمليات نوعية، مثل تصفية قادة بارزين وإحباط خطط عسكرية. وفي سوريا، واجهت إيران صعوبات متزايدة بسبب التحركات الأمريكية والتركية والبريطانية.
وفي لبنان، تلقى حزب الله ضربات موجعة على المستويين السياسي والعسكري، مما أثر على دوره كذراع إيران الرئيسي في المنطقة. انهيار مشروع “الهلال الشيعي”، الذي سعت إيران لتشكيله على مدار عقدين، أصبح واضحًا أكثر من أي وقت مضى.
محاولات تعزيز القدرات العسكرية
أمام هذا الواقع، تسعى إيران لتعزيز قدراتها العسكرية من خلال استعراض القوة وإجراء مناورات عسكرية ضخمة، كان أبرزها مؤخرًا بمشاركة تقنيات جديدة مثل الطائرات بدون طيار “أبابيل-5″، وأنظمة الصواريخ “فتح-360″، ومنظومات الدفاع الجوي الحديثة. وجهت إيران من خلال هذه المناورات رسائل تحذيرية إلى دول الجوار، وخاصة تركيا وأذربيجان.
ورغم هذه الاستعراضات، يشكك العديد من الخبراء في القدرات العسكرية الإيرانية، مشيرين إلى أن تأثير العقوبات الطويلة الأمد أضعف جاهزية قواتها المسلحة. حتى مع محاولاتها لشراء طائرات “سوخوي-35” الروسية، تواجه إيران صعوبة في الحصول على دعم عسكري كافٍ من الصين وروسيا.
النهاية المحتملة للنفوذ الإيراني
مع اقتراب مشروعها النووي من مرحلة الاكتمال، تزداد الضغوط الدولية على إيران. الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة ترامب تُهدد بالتصعيد لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، بما في ذلك ضربات عسكرية محتملة. وفي الداخل، تعاني إيران من تحديات سياسية واقتصادية تزيد من هشاشة وضعها.
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن قدرة إيران على الحفاظ على سيادتها أصبحت محل شك. لعل الخيار الوحيد المتبقي لطهران هو العودة إلى السياسة التقليدية التي تعتمد على تقديم تنازلات عبر قنوات دبلوماسية سرية لضمان بقائها لفترة أطول. ولكن يبقى السؤال: هل ستسمح القوى الدولية والإقليمية لإيران بمواصلة لعب هذا الدور؟

