تشهد إيران منذ أواخر ديسمبر موجة اضطرابات غير مسبوقة منذ احتجاجات عام 2022، في مشهد مركّب تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية العميقة مع صراع إقليمي محتدم ومحاولات استثمار سياسي خارجي، وفق القراءة التي قدّمها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان.
قراءة تركية: غضب داخلي مشروع واختراق خارجي
يرى فيدان أن ما يجري في الشارع الإيراني لا يمكن اختزاله في عامل واحد. فمن جهة، تعاني إيران منذ أكثر من ثلاثة عقود من عقوبات دولية متراكمة أدت إلى اختناقات اقتصادية بنيوية، انعكست في تراجع العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم، وتآكل القدرة الشرائية، وهي عوامل فجّرت غضبًا اجتماعيًا حقيقيًا.
لكن من جهة أخرى، يؤكد المسؤول التركي أن هذه الاحتجاجات، رغم مشروعيتها من حيث الدوافع الاقتصادية، تتعرض لعمليات “توجيه واستغلال” من قبل أطراف خارجية تسعى لتحويل الغضب الشعبي إلى أداة ضغط سياسي.
إسرائيل وموساد في قلب الاتهام
في هذا السياق، وجّه فيدان اتهامًا مباشرًا إلى إسرائيل، معتبرًا أن أجهزتها الاستخباراتية، وعلى رأسها “الموساد”، تنشط عبر منصات التواصل الاجتماعي لتحريض الإيرانيين على مواجهة النظام الديني الحاكم. وذهب إلى القول إن هذه الدعوات لم تعد تُخفى، بل تُطرح علنًا، في محاولة لتعويض فشل إسرائيل، بحسب توصيفه، في إضعاف إيران عسكريًا.
ويعتقد فيدان أن تل أبيب تحاول استثمار مرحلة ما بعد توقف المواجهة العسكرية المباشرة، مستغلة الضغوط المعيشية المتراكمة داخل إيران، لتحقيق نتائج سياسية لم تنجح في فرضها بالقوة.
ما بعد الحرب: الرهان على الشارع
تأتي هذه التطورات بعد صراع عسكري استمر اثني عشر يومًا في يونيو 2025، شهد غارات جوية إسرائيلية وأميركية على أهداف داخل إيران. ووفق الرؤية التركية، فإن المجتمع الإيراني أظهر خلال تلك المواجهة درجة من الالتفاف الداخلي، إلا أن انتهاء العمليات القتالية فتح الباب أمام عودة التوترات الاجتماعية الكامنة، وهو ما تحاول إسرائيل، حسب فيدان، توظيفه لصالحها.
من السوق إلى الشارع السياسي
انطلقت شرارة الاحتجاجات من “بازار طهران الكبير”، وهو مركز تجاري طالما ارتبط بمحطات سياسية حساسة في تاريخ البلاد، قبل أن تمتد إلى مدن إيرانية عدة.
وما بدأ كمطالب مرتبطة بالغلاء وانهيار سعر الريال، سرعان ما تطور إلى شعارات ذات طابع سياسي مباشر، تستهدف بنية الحكم الديني، ما رفع مستوى القلق لدى السلطات.
ردّ الدولة: الأمن خط أحمر
في مواجهة هذا التصعيد، شددت المؤسستان العسكرية والأمنية في إيران، بما في ذلك الحرس الثوري والجيش، على أن الاستقرار الداخلي “خط أحمر”. وترافقت هذه الرسائل مع تشديد أمني واسع، وبثّ إعلامي رسمي لجنائز عناصر أمنية قُتلوا في مواجهات مع محتجين، في محاولة لإبراز كلفة الاضطرابات.
كما فرضت السلطات قيودًا واسعة على الإنترنت ووسائل الاتصال، ما صعّب عملية التحقق المستقل من حجم التظاهرات وأعداد الضحايا والموقوفين، في ظل تضييق طويل الأمد على الإعلام الأجنبي.
أرقام متضاربة وسرديات متنافسة
في مقابل الرواية الرسمية، تحدثت منظمات حقوقية مقرّها خارج إيران عن عشرات القتلى وآلاف المعتقلين، وهي أرقام بقيت محل جدل بسبب القيود المفروضة على تدفق المعلومات.
في الوقت نفسه، حمّلت القيادة الإيرانية، وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي، مسؤولية الاضطرابات لـ”أطراف أجنبية”، ملوّحة بتشديد القبضة الأمنية.
العقوبات كخلفية دائمة للأزمة
لا تنفصل الاحتجاجات الراهنة عن السياق الأوسع للعقوبات الدولية المفروضة على إيران، خصوصًا تلك المرتبطة بالبرنامج النووي، والتي حدّت من قدرة البلاد على الوصول إلى النظام المالي العالمي، وأضعفت التجارة والاستثمار، وأسهمت في تعميق الأزمات المعيشية التي تشكّل وقودًا دائمًا للاحتجاج.
موقع تركيا: توازن دقيق
تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، تجد نفسها في موقع جغرافي وسياسي حساس، بحكم حدودها الطويلة مع إيران وعلاقاتها المعقدة مع إسرائيل. وقد سعت أنقرة تاريخيًا إلى الحفاظ على قنوات تواصل مع الطرفين، رغم انتقاداتها المتكررة للعمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، وهو ما يفسّر حرصها على تقديم قراءة تحاول الفصل بين المطالب الاجتماعية المشروعة ومحاولات التوظيف الخارجي.
الخلاصة
تكشف الاحتجاجات الإيرانية عن تراكب معقّد بين أزمة اقتصادية داخلية عميقة وصراع إقليمي يسعى إلى استثمار الشارع. وبين الروايات المتضادة، يبقى مستقبل المشهد مرهونًا بقدرة الداخل الإيراني على معالجة جذور الغضب دون الانزلاق إلى صراع مفتوح بالوكالة.

