في خضمّ الجدل المتصاعد حول السياسة التركية تجاه سوريا وتسوية القضية الكردية في الداخل التركي والمنطقة، برزت تصريحات لافتة لعضو البرلمان عن حزب العدالة والتنمية، غالب أنصاري أوغلو، أعاد فيها التأكيد على مركزية القرار السياسي في النظام الرئاسي، محذرا من خروج وزير الخارجية هاكان فيدان عن الإطار العام المركزي الذي يرسمه الرئيس رجب طيب أردوغان.
أنصاري أوغلو شدّد، خلال مشاركته في برنامج على قناة روداو الكردية، على أن الإرادة الحاسمة في رسم السياسات، داخليًا وخارجيًا، تعود حصريًا إلى رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، نافياً وجود أي انقسام أو ازدواجية قرار داخل الحكومة.
وأكد أن أي مسؤول، مهما كانت صفته، لا يمكنه اتخاذ موقف أو اعتماد خطاب يتعارض مع توجهات الرئيس، مضيفًا أن من يخرج عن هذه القاعدة إما يختار ترك منصبه أو يُعفى منه. بهذا المعنى، وضع أنصاري أوغلو النقاش الدائر حول تصريحات وزير الخارجية هاكان فيدان في إطار الانضباط المؤسسي، لا في سياق صراع صلاحيات.
سياق سياسي أوسع وتساؤلات مفتوحة
تأتي هذه التصريحات في وقت تتردد فيه تكهنات في الأوساط السياسية حول مستقبل وزير الخارجية هاكان فيدان، وسط مزاعم عن نية محتملة لدى الرئيس أردوغان لإبعاده، في سياق ترتيبات داخلية أوسع داخل حزب العدالة والتنمية، وربط بعض التحليلات ذلك بصعود اسم بلال أردوغان في المعادلة الحزبية المستقبلية. ورغم عدم وجود مؤشرات رسمية تؤكد هذه الفرضيات، فإنها تضيف بعدًا سياسيًا إضافيًا للجدل الدائر حول الخطاب والسلطة داخل النظام الرئاسي.
كما تزامنت تصريحات أنصاري أوغلو الحادة مع فتح تحقيقات قضائية بحق شخصيات إعلامية بارزة يُتداول ارتباطها بدوائر قريبة من هاكان فيدان، شملت اتهامات تتعلق بملفات جنائية، من بينها قضايا مرتبطة بالمخدرات.
انتقاد الأسلوب لا المبدأ
ورغم دفاعه عن وحدة القرار، لم يُخفِ أنصاري أوغلو ملاحظاته على لهجة وزير الخارجية، معتبرًا أن بعض التصريحات المتعلقة بالملف السوري اتسمت بقدر من الحدّة أو لم تكن منسجمة تمامًا مع “روح المرحلة” (مفاوضات السلام الكردي)، على حد تعبيره. وأوضح أن هذا التقييم يندرج في إطار رأي شخصي لا يمسّ جوهر السياسة الرسمية، التي يحددها الرئيس في نهاية المطاف.
هذا التفريق بين مضمون السياسة وأسلوب التعبير عنها عكس محاولة لضبط النقاش العام، ومنع تفسير الانتقادات الجزئية بوصفها مؤشرًا على صراع داخل هرم السلطة.
مسار الحل: أولوية إنهاء العنف
فيما يخصّ مسار الحل السياسي والبرلماني للقضية الكردية، كشف أنصاري أوغلو أن لجنة “التضامن الوطني والأخوّة والديمقراطية” أوشكت على إنهاء أعمالها، وأنها بصدد إعداد تقرير توصية مشترك استنادًا إلى ملاحظات ومقترحات الأحزاب. وأكد أن المرحلة المقبلة، مع افتتاح البرلمان بعد رأس السنة، ينبغي أن تشهد خطوات عملية سريعة لترجمة هذا المسار على أرض الواقع.
وشدّد على أن الهدف العاجل يتمثل في إنهاء العنف وتجريد المسألة من بعدها المسلّح، مؤكدًا أن ربط العملية السياسية بمصير عبد الله أوجلان أو غيره ليس أولوية في هذه المرحلة.
العلاقة مع الحركة القومية والجدل حول “الأمل”
ردّ أنصاري أوغلو على المزاعم التي تتحدث عن تناقض بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، خاصة في ما يتعلق بما يُعرف بـ“حق الأمل” لمسلحي حزب العما الكردستاني، موضحًا أن الطرفين ليسا حزبًا واحدًا، لكنهما يتحركان بتنسيق وتفاهم في القضايا الجوهرية للدولة. واعتبر أن هذا الملف لا يشكّل عائقًا أمام المسار الحالي، وأنه يمكن بحثه لاحقًا بعد إزالة أسباب العنف وتبديد المخاوف المجتمعية.
وأشار إلى أن القضايا المتعلقة بمصير شخصيات بارزة أو معتقلين سياسيين، بما في ذلك أوجلان أو صلاح الدين دميرطاش، يمكن مناقشتها في مراحل لاحقة إذا تهيأت الظروف السياسية والاجتماعية المناسبة.
تفاصيل تقنية لا خيارات سياسية
وفيما يتصل بالتشريعات المحتملة، أوضح أنصاري أوغلو أن العمل جارٍ على معالجة ملفات متعددة، تشمل أوضاع السجناء، والعناصر الموجودة في مخيم مخمور، والأسماء الموجودة في أوروبا. واعتبر أن هذه الملفات ذات طبيعة تقنية، وقد جرى إعداد عدة صيغ لمعالجتها.
تحذير من خطوات تُربك المناخ
وعن إعلان حزب الديمقراطية والمساواة الكردي تنظيم مسيرة في الرابع من كانون الثاني/يناير، اعتبر أنصاري أوغلو أن توقيتها غير مناسب، محذرًا من أن مثل هذه التحركات قد تثير حساسيات وتغذّي خطاب القومية المضادة، ما قد ينعكس سلبًا على المناخ العام. وأكد أن الحرية السياسية مكفولة للجميع، لكن الحكمة تقتضي تجنب خطوات قد تُستغل لإرباك المسار أو إعطاء ذرائع لمن يسعون إلى إفشاله.

