أربعة عقود من التصعيد والتردد
على مدار أكثر من أربعين عامًا، شكّلت العلاقات الأمريكية-الإيرانية واحدة من أبرز أوجه الصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط. فهذه العلاقة المتأرجحة بين القوة العظمى العالمية وإحدى أبرز الدول ذات التوجه الثوري، عكست باستمرار صراع المصالح والنفوذ، وأعادت رسم ملامح التوازنات الإقليمية والدولية.
الجذور العميقة للخصومة
يشير الكاتب الصحفي التركي يوكسل دورغوت المتخصص في العلاقات الدولية، في مقال له بموقع (TR724)، إلى أن القطيعة الكبرى بين طهران وواشنطن بدأت مع انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 وما تبعه من أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين. فقد مثّل إسقاط نظام الشاه المدعوم أمريكيًا نقطة تحوّل عميقة، رسّخت انعدام الثقة المتبادل؛ إذ صنّفت الولايات المتحدة إيران كدولة راعية للإرهاب، بينما رأت طهران في واشنطن تهديدًا لسيادتها واستقلالها.
وبرغم محاولات حذرة للتقارب بعد انتهاء الحرب الباردة، مثل محطات الحوار الخجول إبان غزو العراق وأفغانستان، إلا أن العداء المتجذر حال دون إقامة شراكة استراتيجية حقيقية.
الانفراجة المؤقتة: الاتفاق النووي وتحول السياسات
شهد عهد الرئيس باراك أوباما تحولا جوهريًا في النهج الأمريكي تجاه إيران. وكما يوضح دورغوت، فإن أوباما، مدفوعًا بإرهاق التدخلات العسكرية ورغبة في اختبار مسارات دبلوماسية جديدة، قاد جهود توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2015.
الاتفاق فرض قيودًا صارمة على برنامج إيران النووي مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات، شمل:
- تقليص مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 98٪
- تقليص عدد أجهزة الطرد المركزي بمقدار الثلثين
- قبول عمليات تفتيش صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)
لقد فتح الاتفاق أمام إيران أبواب العودة إلى الأسواق العالمية، وأرسل إشارات طمأنة للأسرة الدولية بشأن تهديد انتشار السلاح النووي.
نكسة جديدة: الانسحاب الأمريكي وسياسة “الضغط الأقصى”
غير أن هذه الانفراجة لم تدم طويلاً. فمع وصول دونالد ترامب إلى الحكم، انسحبت الولايات المتحدة في مايو 2018 بشكل أحادي من الاتفاق، في خطوة وصفها دورغوت بأنها “طعنة للدبلوماسية المتعددة الأطراف” وهزة عميقة لمصداقية الولايات المتحدة أمام حلفائها.
ترافقت سياسة “الضغط الأقصى” مع عقوبات خانقة استهدفت الاقتصاد الإيراني، مما أسهم في إضعاف التيار الإصلاحي داخل إيران، وصعود الأصوات المتشددة. وردّت طهران بتصعيد إقليمي عبر الميليشيات الحليفة وزيادة التوترات في مضيق هرمز، بالإضافة إلى تعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع موسكو وبكين.
راهن العلاقات: محاولات خجولة لاستئناف الحوار
في الآونة الأخيرة، وكما يورد دورغوت، تواصلت محاولات التقارب عبر قنوات غير رسمية بوساطة عمانية، إذ شهدت روما جولات من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران.
ومع ذلك، ظلت العقبات قائمة:
- إيران ترفض تقديم تنازلات بخصوص مستوى تخصيب اليورانيوم، الذي وصل بحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فبراير 2024 إلى نسبة 60%، مما يزيد المخاوف من اقترابها من العتبة النووية.
- واشنطن تطالب بآليات رقابة صارمة على برنامج إيران النووي وتجميد أنشطتها الإقليمية المزعزعة للاستقرار.
البيئة الإقليمية: تعقيدات إضافية
يلفت دورغوت إلى أن المعطيات الإقليمية الجديدة تضيف مزيدًا من التعقيد:
- اتفاقيات التطبيع بين بعض دول الخليج وإسرائيل (اتفاقيات أبراهام)
- تقارب إيران المتسارع مع روسيا والصين، عبر مبادرات مثل الانضمام إلى منظمة “بريكس” واتفاقيات تجارية ضخمة
- تزايد المشاعر القومية داخل إيران، مما يعقّد تقديم تنازلات داخلية لأي اتفاق جديد
فرص العودة للاتفاق: معوقات وآمال
برأي دورغوت، يعتمد تحقيق اختراق جديد على توافر إرادة سياسية صادقة لدى الطرفين. بالنسبة للولايات المتحدة، يمثل التوصل إلى اتفاق وسيلة لاستعادة مصداقيتها الدبلوماسية وخفض التوتر الإقليمي، لاسيما مع احتدام الصراع في غزة وتصاعد الهجمات على القوات الأمريكية في العراق وسوريا.
أما بالنسبة لإيران، فإن تخفيف العقوبات بات ضرورة اقتصادية ملحة، وسط معدلات تضخم خانقة وانخفاض احتياطات النقد الأجنبي.
ومع ذلك، يرى الكاتب أن العودة إلى “روح الاتفاق النووي الأصلي” تتطلب استحضار روح التعددية والثقة المتبادلة، بعيدا عن سياسات الإملاءات والعقوبات الأحادية.

