لم يكن سقوط طائرة الفريق أول محمد الحداد، رئيس أركان الجيش التابع لحكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا، حادثًا عابرًا في نظر كثيرين، بل جاء كصدمة ثقيلة أعادت فتح جراح المشهد الليبي المنهك، وطرحت أسئلة كبرى حول التوقيت، والسياق، والرسائل الكامنة خلف فاجعة وقعت في لحظة سياسية شديدة التعقيد.
الطائرة التي أقلّت الحداد وأربعة من مرافقيه تحطمت بعد أقل من ساعة على إقلاعها من مطار أنقرة، في ظروف وُصفت بالغامضة، لتتحول الواقعة سريعًا من خبر مأساوي إلى حدث سياسي وأمني تتقاطع عنده الشكوك، والهواجس، وتضارب الروايات، وفقا لتقرير نشرته صحيفة “العرب” الدولية.
توقيت يفتح أبواب الريبة ويكسر حواجز الصمت
ما ضاعف من وطأة الحادث هو التوقيت السياسي المحيط به، إذ تزامن مع مسارين بالغَي الحساسية في ليبيا. المسار الأول داخلي، يتمثل في مشروع تعديل حكومي كان رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة قد أعلن عنه، وأثار منذ لحظته الأولى انقسامات حادة وصراعًا مفتوحًا على النفوذ والمناصب.
أما المسار الثاني فإقليمي، ويتعلق بمصادقة البرلمان التركي على تمديد بقاء القوات التركية في ليبيا لعامين إضافيين، في خطوة قوبلت برفض واسع من قوى ليبية عديدة، وبإجماع دولي وإقليمي متزايد على ضرورة إنهاء الوجود العسكري الأجنبي كمدخل أساسي لتسوية سياسية شاملة.
هذا التزامن جعل من حادثة مقتل الحداد نقطة ارتكاز لتفسيرات سياسية وأمنية تجاوزت نطاق التحليل التقني إلى التساؤل عن طبيعة الرسائل التي قد يحملها غيابه المفاجئ من المشهد.
اتهامات ضمنية وتآكل الثقة في الرواية الرسمية
لم تقتصر ردود الفعل على منصات التواصل الاجتماعي، بل امتدت إلى شخصيات سياسية وحقوقية وإعلامية ليبية، عبّرت صراحة عن شكوكها في الرواية المتداولة. بعض الأصوات رأت أن التعامل مع الحادث كواقعة عرضية يفتقر إلى الحكمة، معتبرة أن ما جرى لا يمكن فصله عن صراعات استخباراتية إقليمية ودولية تحيط بالملف الليبي.
وذهب آخرون إلى توصيف الحادث على أنه «اغتيال مدبر»، في حين دعا حقوقيون إلى تحقيق دولي مستقل، معتبرين أن عدم اكتشاف العطل قبل الإقلاع يثير الريبة، ويعكس أزمة ثقة عميقة في قدرة السلطات القائمة على إدارة تحقيق شفاف ومقنع.
هذه المواقف، سواء كانت مباشرة أو مبطنة، وجدت بيئة خصبة في ظل الانقسام السياسي الحاد، وتراجع الثقة في المؤسسات، وتآكل شرعية السلطة التنفيذية، ما جعل الشكوك مرشحة للتصاعد بدل الانحسار.
التعديل الحكومي وصراع الحقائب السيادية
منذ الإعلان عن نية إجراء تعديل حكومي منتصف ديسمبر، دخل المشهد السياسي الليبي مرحلة من الاحتقان المتسارع. التباينات لم تقتصر على قبول أو رفض التعديل، بل تحولت إلى تنازع مفتوح على الحقائب الوزارية، خاصة الدفاع والداخلية والخارجية، لما تحمله من ثقل أمني وسيادي.
هذا الصراع غذّته الميليشيات المسلحة بحساباتها المتضاربة، وتحركاتها لحماية مصالحها عبر الدفع بأسماء محسوبة عليها لتولي مواقع مفصلية. وخلال الأيام التي سبقت حادثة تحطم الطائرة، بلغ التوتر مستويات غير مسبوقة، تراوحت بين التلويح بالعصيان والتهديد باستخدام السلاح.
أمام هذا المشهد، اضطر الدبيبة إلى إرجاء الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة، التي كان من المقرر كشفها عشية ذكرى استقلال ليبيا، وذلك قبل ساعات فقط من تأكيد تحطم طائرة الحداد قرب العاصمة التركية.
زيارة أنقرة… أسئلة بلا إجابات
زاد من تعقيد المشهد الربط الذي طرحه بعض المتابعين بين زيارة الحداد إلى تركيا واحتدام الصراع الداخلي. تساؤلات طُرحت حول دوافع الدعوة، وتوقيتها، ومكان انعقاد اللقاءات، ولماذا لم تُعقد في طرابلس أو داخل السفارة التركية، رغم الحضور العسكري والسياسي التركي الكثيف في غرب ليبيا.
هذه الأسئلة، التي عبّر عنها نواب ومحللون ليبيون، عكست شعورًا متناميًا بأن تفاصيل الرحلة نفسها تستدعي التوقف عندها، في ظل حساسية الموقع الذي كان يشغله الحداد في معادلة التوازن العسكري.
معطيات تقنية تُغذي الشكوك
إلى جانب البعد السياسي، برزت معطيات تقنية زادت من تعقيد الرواية. الطائرة المنكوبة من طراز «داسو فالكون 50»، فرنسية الصنع، وتُشغّلها شركة مالطية، وقد جرى استئجارها من جهة ليبية لم يُكشف عنها، رغم امتلاك ليبيا لأسطول طائرات حديثة تنفذ رحلات منتظمة إلى تركيا.
أُعلن عن فقدان الاتصال بالطائرة بعد نحو أربعين دقيقة من الإقلاع، أعقبه حديث شهود عن انفجار في السماء جنوب أنقرة قبل ارتطامها بالأرض. كما أثار الخبراء تساؤلات حول سرعة الطائرة وقدرتها على قطع مسافة محدودة نسبيًا في زمن لا يتناسب مع خصائصها الفنية، ما فتح باب التكهنات على مصراعيه.
بين التحقيقات والهواجس المفتوحة
في ظل تضارب الروايات وتكاثر الشكوك، يبقى الرهان معلقًا على نتائج التحقيق، خاصة بعد العثور على الصندوق الأسود، ونقله إلى دولة محايدة لتحليل بياناته. غير أن كثيرين يرون أن ما ستسفر عنه التحقيقات، مهما كانت نتائجه، لن يكون كافيًا لاحتواء الهواجس ما لم يُحط بأقصى درجات الشفافية.

