كشف المفكر والخبير الاقتصادي الإيراني الأصل، البروفيسور حسين العسكري، أن دولاً مثل الدنمارك وأيرلندا وهولندا تطبق مبادئ الإسلام الأساسية في الحكم والعدالة والحقوق أكثر من معظم الدول ذات الأغلبية المسلمة، وفقًا لـ”مؤشر الإسلامية” الذي ابتكره. واعتبر العسكري أن المشكلة تكمن في السياسات الفاسدة لا في الإسلام، منتقدًا أداء العالم الإسلامي على مدى قرون من التدهور.
مقدمة: مفارقة صادمة من مؤشر الإسلامية
في مفارقة تلفت الأنظار، أظهرت نتائج “مؤشر الإسلامية” لعام 2022، الذي يقيس مدى التزام الدول بمبادئ الإسلام في الحكم والاقتصاد والعدالة، أن الدول الأكثر تطبيقًا لتلك المبادئ ليست الدول الإسلامية، بل هي دول غربية كالدنمارك وأيرلندا وهولندا، بينما تحتل دول مثل تركيا والسعودية وإيران مراتب متدنية في المؤشر.
من هو حسين العسكري؟
البروفيسور حسين العسكري، مفكر اقتصادي إيراني الأصل، حاصل على درجات علمية في الهندسة والاقتصاد من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، عمل مستشارًا لوزارة المالية السعودية ودرّس في جامعات مرموقة مثل جورج واشنطن. عاش حياة قاسية منذ طفولته في بريطانيا بعد وفاة والده، وعاش تجارب متنوعة أهلته لفهم عميق للسياسة والاقتصاد والدين في العالم الإسلامي.
الانطلاقة: من الطفولة القاسية إلى رصد الانهيار
عاش العسكري في المدارس الداخلية البريطانية حيث تعرض للضرب والإهانة بسبب جهله باللغة الإنجليزية، لكنه تفوق أكاديميًا والتحق بـ MIT، ومن هناك انطلق في مسيرة أكاديمية ومهنية طويلة، شملت التدريس والعمل الحكومي في الولايات المتحدة والسعودية.
كان مستشارًا مباشراً لوزير المالية السعودي، وساهم لاحقًا في وضع خطة الطاقة الوطنية للمملكة. كما لعب دورًا وسيطًا نادرًا بين طهران والرياض بعد القطيعة الدبلوماسية، بسبب ثقة الطرفين به، رغم التوترات الحادة بين البلدين.
ولادة مؤشر الإسلامية: لماذا تفوقت الدنمارك على تركيا؟
في حوار نشره موقع “توركيش مينوت” وأجراه عبد الحميد بليجي، الكاتب الصحفي التركي ورئيس تحرير صحيفة “زمان” التركية قبل فرض الوصاية عليها قبيل الانقلاب المزعوم في 2016 وإغلاقها بعده مباشرة، يشرح العسكري أن فكرة “مؤشر الإسلامية” وُلدت بعد مشاركته في مؤتمر اقتصادي إسلامي في باكستان في عهد الجنرال ضياء الحق، وازداد اهتمامه بعد التعاون مع الباحث الإسلامي عباس ميراخور، حيث صدمته الفجوة بين القيم الإسلامية الحقيقية وسلوك الحكومات الإسلامية.
المؤشر يقيس أربعة محاور رئيسية:
- الاقتصاد الإسلامي: يشمل العدالة في توزيع الثروات، والقضاء على الفقر، والضرائب العادلة.
- الحوكمة والقانون: يشمل سيادة القانون، مكافحة الفساد، والمساءلة.
- الحقوق الإنسانية والسياسية: كالحرية والمساواة وكرامة الإنسان.
- العلاقات الدولية: تشمل العدالة والسلام في العلاقات مع الدول.
وفي 2022، تصدرت الدنمارك وأيرلندا وهولندا المؤشر، بينما جاءت السعودية في المرتبة 90، وتركيا 100، وإيران 138.
القيم الغائبة: ما الذي تطبقه أوروبا وتفتقده الدول الإسلامية؟
بحسب العسكري، فإن القيم الجوهرية في الإسلام مثل الحرية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، والقضاء المستقل، والعدالة الاجتماعية، واحترام الملكية الفردية، هي التي تصنع الفرق، وهي ما تلتزم به الدول الغربية بدرجات عالية، بينما تنتهكها حكومات الدول الإسلامية التي تكتفي بالشعائر دون جوهر الإسلام.
يقول: “يمكن لأي أحد أن يصلي أو يصوم، لكن هل يقيم العدل؟ هل يحكم بالحق؟ هذا هو لب الإسلام، وليس فقط أداء الشعائر.”
المؤشر يكشف النفاق السياسي
يشير العسكري إلى أن الحكومات الإسلامية تحرص على التظاهر بالتدين وتطبيق الشريعة شكليًا، بينما تبتعد عمليًا عن جوهر الإسلام. ويقول إن بعض القادة أظهروا اهتمامًا عابرًا بالمؤشر، مثل الرئيس الإيراني الأسبق، ورئيس وزراء ماليزيا الحالي أنور إبراهيم، الذي يراه العسكري من القلة المهتمة بإصلاح اقتصادي إسلامي حقيقي.
لكن العسكري يؤكد: “هذا المؤشر يُدينهم، فلماذا يهتمون به؟ النفط والغاز لا يملكه الحكام، بل الشعب والأجيال القادمة، وهذا يتعارض مع مصالحهم.”
تركيا: الأمل المفقود
يشير العسكري إلى أنه كان يأمل أن تصبح تركيا في بدايات حكم العدالة والتنمية نموذجًا للإصلاح الإسلامي الحقيقي، لكنها انزلقت، حسب وصفه، إلى “نوع جديد من الاستبداد الشرقي”. ويضيف: “كنت ساذجًا، وطلابي حذروني، وكنت أقول إن تركيا قد تكون المنقذ، لكن ثبت أنني كنت مخطئًا.”
ماليزيا: بصيص من الأمل
رغم التحديات السياسية، يرى العسكري في ماليزيا بقيادة أنور إبراهيم نموذجًا يحتمل التطور، إذ أحرزت تقدمًا في مؤسساتها المصرفية، وفي تدريب الكوادر على الاقتصاد الإسلامي.
في 2022، احتلت ماليزيا المرتبة 43 عالميًا، وكانت أعلى الدول الإسلامية تصنيفًا، لكنها تبادلت الصدارة لاحقًا مع قطر، حسب التحديثات السنوية للمؤشر.
واقع مؤلم: لا تغيير دون شعوب شجاعة
يحذر العسكري من أن الحكام ليسوا وحدهم المسؤولين، بل الشعوب الإسلامية التي “تقبل بالخضوع ولا تقف في وجه الظلم”. ويروي كيف رفض تقبيل يد شاه إيران رغم صغر سنه، قائلاً: “لا أقبل يد حاكم لا يطبق ما أؤمن به”.
ويضيف بأسى: “المسلمون بدلوا فقط الأيادي التي يقبّلونها بعد كل ثورة، من يد الشاه إلى يد الملالي”.
ما الذي يمنع النهضة الإسلامية؟
يرى العسكري أن غياب القادة النزهاء، وضعف التعليم، والخوف، والجهل السياسي، إلى جانب تأثير القوى الأجنبية، كلها أسباب لهذا الانحدار التاريخي، مؤكدًا أن المسلمين يجب أن “ينظروا في المرآة” بدل إلقاء اللوم على الغرب فقط.
ويختم: “أقول لأولادي: الجشع البشري لا يمكن السيطرة عليه، وخاصة في السياسة. ولهذا لا أرى الأمل قريبًا، رغم أنني ما زلت أؤمن أن قائداً شجاعًا، متواضعًا، مؤمنًا، قد يغير المسار إذا لم يُغتَل قبل أن يبدأ.”
هل للمؤشر مستقبل؟
أكد العسكري أن العمل على تحديث المؤشر جارٍ، ويتوقع إطلاق النسخة الجديدة في يوليو 2025، مشيرًا إلى أن التصنيفات العليا لن تتغير كثيرًا، لكنه يعمل على تحسين دقة البيانات في المراتب الوسطى.
ورغم عدم اهتمام قادة العالم الإسلامي، تلقى المشروع إشادات في وسائل الإعلام الغربية، وتواصلت معه مؤسسات أكاديمية مثل كلية “ويلسلي” الأمريكية، لكنه يظل مشروعًا قائمًا على جهود شخصية ومعنوية، بعيدًا عن الدعم الرسمي، ومصدر إدانة صامتة لمنظومات سياسية تتحدث باسم الإسلام بينما تخالفه واقعًا.

