قمة إسطنبول: دبلوماسية أردوغان تعود للواجهة
في ربيع عام 2025، أعاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تأكيد موقعه كلاعب دبلوماسي محوري على الساحة الدولية، من خلال استضافته قمة عالية المستوى في إسطنبول بشأن الحرب الروسية الأوكرانية، والتي وصفها دبلوماسيون أوروبيون بأنها تُجسّد أهمية تركيا الاستراتيجية.
رغم غياب كلٍّ من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلا أن القمة أبرزت مجددًا الدور التركي كجسر بين الشرق والغرب.
في الداخل: معارضة متصاعدة واتهامات بالتسلط
بالتزامن مع هذه التحركات الدبلوماسية، شهدت تركيا تصاعدًا في الاحتجاجات السياسية، خصوصًا عقب اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، أحد أبرز رموز المعارضة، في 19 مارس، بتهم تتعلق بالفساد، تبعها اعتقال أكثر من 100 شخص، من سياسيين وصحفيين ورجال أعمال.
ردود الفعل شملت مظاهرات في إسطنبول وأنقرة وأربع مدن كبرى، اعتبرتها المعارضة دليلًا على استخدام القضاء كأداة سياسية، وهو ما أكدته منظمات مثل فريدوم هاوس، التي صنفت تركيا في تقريرها لعام 2025 كدولة “غير حرّة”، مشيرة إلى تراجع حاد في الحريات السياسية والمدنية.
مفارقة مزدوجة: أردوغان وسيط السلام… ورمز القمع
يرى يورتسيفير أن تناقض أردوغان بين صورته الدولية كوسيط سلام، وواقعه الداخلي كحاكم سلطوي، ليس بالأمر العشوائي، بل استراتيجية محكمة ومصاغة بعناية.
إذ تستغل وسائل الإعلام المقربة من النظام كل قمة أو مصافحة دولية لتعزيز صورة تركيا كـ”قوة عظمى”، يرغب الجميع في استشارتها. وتُستخدم هذه الصورة كأداة مزدوجة لرفع المعنويات الوطنية في ظل تصاعد الأزمة الاقتصادية، ولتغطية الانتهاكات الحقوقية وتآكل المؤسسات الديمقراطية.
تصعيد الاحتجاجات الطلابية: جيل جديد خارج عباءة الأحزاب
جاء اعتقال إمام أوغلو ليفجّر أكبر موجة احتجاجات طلابية في تركيا خلال العقد الأخير، شارك فيها آلاف الشباب الذين أكدوا استقلالهم عن أي حزب سياسي.
ارتدى المتظاهرون الأقنعة واللثام خوفًا من الاعتقال، في مشهد يعكس تصاعد الخوف الجماعي من الملاحقة، خصوصًا بعد استخدام الشرطة للقوة المفرطة في فض المظاهرات داخل الجامعات.
دبلوماسية أردوغان: نجاح رمزي أكثر منه فعلي
في مقابل التوتر الداخلي، يواصل أردوغان تصعيد دوره الخارجي، حيث تمكّن من المحافظة على علاقات مفتوحة مع جميع الأطراف المتنازعة — موسكو، كييف، وواشنطن — وجعل من إسطنبول مركزًا رمزيًا لجهود السلام.
ورغم محدودية النتائج من قمة إسطنبول الأخيرة، فإن رمزية الحدث تكمن في أن أردوغان هو من استضاف اللقاء، وأن العالم كان يُصغي إليه، وهو ما يرسّخ صورته كقائد دولي لا يمكن تجاهله.
تركيا ليست فقط أردوغان: عوامل بنيوية تعزز مكانتها
يحذّر يورتسيفير من إرجاع كل مكاسب تركيا الدبلوماسية إلى شخصية أردوغان، موضحًا أن تراجع الهيمنة الأميركية، وتصاعد أدوار القوى الإقليمية، والموقع الجغرافي الفريد لتركيا،
كلها عوامل تجعل من أنقرة فاعلًا لا يمكن تجاوزه، بغض النظر عمّن يحكمها.
الصناعات الدفاعية والدور الأوروبي: فرصة أردوغان الذهبية
تلعب الصناعات الدفاعية المحلية، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة، دورًا رئيسيًا في تعظيم النفوذ التركي. فمع سعي الاتحاد الأوروبي لبناء منظومة أمنية أقل اعتمادًا على الناتو، أصبحت تركيا شريكًا لا غنى عنه في التصورات المستقبلية للأمن الأوروبي.
وقد استغل أردوغان هذه الفجوة ليقدّم بلاده كـ”جسر أمني” بين الحلف الأطلسي وأوروبا ما بعد الناتو.
التوظيف السياسي للسياسة الخارجية: من القصر إلى صناديق الاقتراع
يرى يورتسيفير أن كل إنجاز دبلوماسي خارجي يُعاد تقديمه للداخل كمادة انتخابية.
فخلال انتخابات 2023 الرئاسية والبرلمانية، ثم المحلية عام 2024، ركّز أردوغان على مفاهيم مثل السيادة الوطنية، والعزة القومية، ونقد النفاق الغربي. بينما تُغيّب قضايا مثل التضخم، والبطالة، وغياب استقلالية القضاء.
وبحسب البيانات، لا يزال التضخم السنوي يقارب 38% في عام 2025، رغم بلوغه ذروته بـ85.5% في أكتوبر 2022.
الرهان على الخارج: مخاطرة قد تنقلب
يحذّر يورتسيفير من أن الإفراط في توظيف أوراق السياسة الخارجية قد يُعرّض النظام لمخاطر كبرى:
- تصاعد الانتقادات الغربية حول تراجع الحريات، كما ورد في تقارير البرلمان الأوروبي و”فريدوم هاوس”.
- تعقيد الأزمات الدولية التي يتدخل فيها أردوغان (أوكرانيا، غزة، سوريا) ما يجعل الفشل فيها عبئًا محتملاً.
- الضجر الشعبي الداخلي من تجاهل معاناة المواطن اليومية، خصوصًا مع تصاعد أسعار المواد الغذائية وفقدان الثقة بالمؤسسات.
هل تصمد المفارقة؟
مفارقة أردوغان — الوسيط الدولي في الخارج، والحاكم المتسلّط في الداخل — بدأت تفقد تماسكها. فبينما تتعزز مكانة تركيا عالميًا بفضل موقعها ودورها، فإن الشرعية الداخلية لأردوغان تزداد هشاشة، ما لم ينجح في تقديم حلول حقيقية، وليس مجرد سرديات كبرى.
وللمفارقة أن العالم لا يزال يدعو أردوغان إلى الطاولة، لكن سؤال المستقبل يبقى: هل تستطيع هذه المفارقة أن تحافظ على توازنها؟

