تقرير: ياوز أجار
شهدت الساحة الدولية مؤخرًا حدثًا لافتًا بتوقيع تركيا، إلى جانب مصر وقطر والولايات المتحدة، على إعلان وقف الحرب في غزة، وهو تطور لا يُمكن اعتباره خطوة رمزية فحسب، بل تحول استراتيجي في الدور التركي تجاه القطاع. فأنقرة، التي طالما اكتفت بالمواقف السياسية والدبلوماسية، تبدو اليوم مقبلة على دور ميداني وإداري مباشر في مرحلة ما بعد الحرب، ضمن ترتيبات إقليمية ودولية معقدة.
هذا التحول يُثير تساؤلات حول مدى انخراط تركيا في منظومة القوى التي ستتولى إدارة غزة، وسط تلميحات باحتمال احتضانها عناصر من حماس ضمن ترتيبات أمنية ومدنية تشترك فيها أطراف متعددة، في وقت تسعى فيه واشنطن وتل أبيب لتثبيت وجود أمني طويل الأمد في القطاع.
الإدارة المدنية تحت إشراف دولي
وفق التصورات المتداولة، ستُحافظ الولايات المتحدة وإسرائيل على إشرافهما الأمني والعسكري في غزة، بينما ستُناط المهام المدنية — كالإغاثة والصحة والتعليم وإعادة الإعمار — بدول عربية وإسلامية وأوروبية، أبرزها مصر وقطر وتركيا، تحت إشراف دولي مباشر. وفي المقابل، يجري استبعاد حركة حماس من أي دور إداري، ما يُكرّس مرحلة جديدة من «فصل السلطة عن المقاومة» في غزة.
التباينات الإسرائيلية والعقبات الميدانية
رغم إعلان الهدنة، لا يزال المشهد الإسرائيلي الداخلي منقسمًا. فعدد من وزراء اليمين المتطرف في حكومة نتنياهو يرفض أي تسوية تُضعف مواقفهم، فيما ترى المؤسسة العسكرية أن «الانتصار الكامل» لم يتحقق بعد. وتترافق هذه الخلافات مع توترات ميدانية مستمرة، إذ تتبادل حماس وإسرائيل الاتهامات بخرق الاتفاق، وسط تدهور إنساني متسارع وصعوبة في وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق الشمالية من القطاع.
خريطة القوى الجديدة ودور تركيا المتنامي
تُشير الخطوات التركية الأخيرة إلى طموح واضح في ترسيخ نفوذها الإقليمي عبر ملف غزة. فقد أعلنت أنقرة تعيين مسؤول خاص لإدارة جهود المساعدات وإعادة الإعمار، ما يعكس رغبتها في أن تكون جزءًا من إدارة ما بعد الحرب، لا مجرد طرف داعم.
هذا الدور التركي يأتي منسّقًا مع القاهرة والدوحة وواشنطن، من شأنه إبعاد إيران من التأثير في حركة حماس خصوصا، والملف الفلسطيني عموما، في وقت تعمل فيه باريس ولندن على إعداد مشروع قرار في مجلس الأمن لتفويض قوة مراقبة دولية تعمل في غزة، لا على طريقة قوات حفظ السلام التقليدية، بل بآلية إشرافية أكثر مرونة.
معضلة السلاح: من يبدأ أولاً؟
تبقى معضلة «من يبدأ أولاً؟» العقدة الأصعب في مسار التهدئة. فـ«حماس» ترفض تسليم سلاحها قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي، بينما تصرّ إسرائيل على عدم الانسحاب قبل نزع السلاح. هذا الاشتباك السياسي والأمني يهدد بتأجيل أي خطوات عملية نحو الاستقرار، ويضع المرحلة الانتقالية على حافة الانهيار في حال غياب ضمانات قوية من الوسطاء.
السلطة الفلسطينية والعودة إلى ما قبل 2007
السلطة الفلسطينية ترى في المشاركة في الإدارة المدنية الجديدة فرصة للعودة إلى المشهد الغزّي بعد غياب دام أكثر من 15 عامًا، لكن إسرائيل تُعارض أي دور فعلي لها، مكتفية بقبولها كشريك رمزي لا أكثر. وهذا الموقف الإسرائيلي يعكس استمرار الشكوك المتبادلة، ويجعل من إعادة بناء الثقة بين الطرفين تحديًا عسيرًا في مرحلة ما بعد الحرب.
العودة إلى حل الدولتين
رغم أن إعلان شرم الشيخ لم يتضمن نصًا صريحًا حول حل الدولتين، إلا أن إشاراته إلى «السلام الدائم» و«الحقوق المتساوية» توحي بتضمينه ضمنيًا. ويبدو أن المبادرة الأميركية – الأوروبية التي يقودها ترامب وتوني بلير تسعى لإحياء روح اللجنة الرباعية، عبر طرح «خطة من عشرين نقطة» تمهد لمرحلة تفاوضية جديدة. لكن التحدي الأكبر يبقى في إقناع إسرائيل وفريق ترامب بالسير فعليًا نحو هذا الحل، وسط تجربة فاشلة سابقة للرباعية في العقد الماضي.
الرهانات والمخاطر
الخطر الأكبر هو أن تبقى المبادرة عند حدود وقف إطلاق النار دون الانتقال إلى مسار سياسي حقيقي يفضي إلى العدالة والدولة الفلسطينية. كما أن غياب التمويل الكافي أو فتور التزام الدول الضامنة قد يعيد المنطقة إلى دوامة العنف. أما استمرار الاستيطان في الضفة الغربية والضغوط الداخلية في إسرائيل، فقد يُفجّران أي اتفاق محتمل من الداخل قبل أن يولد.

