أطلقت النيابة العامة في إسطنبول تحقيقًا رسميًا بعد انتشار فيديو يُظهر مسؤولًا كبيرًا في رئاسة الشؤون الدينية التركية (ديانت) وهو يعدّ رزمًا من الدولارات في مكة المكرمة، وسط موجة اتهامات بالفساد والرشوة.
الفيديو المتداول، والذي يُزعم أنه يعود لأحمد دشتانبيك، ممثل “ديانت” الأعلى في مكة، أثار عاصفة من الجدل في الأوساط التركية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.
270 ألف دولار أم 10 آلاف فقط؟ تضارب في الأرقام
المقطع المصور الذي انتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي يظهر دشتانبيك وهو يتعامل مع مبالغ كبيرة من العملة الأمريكية، وقدرها البعض بـ270 ألف دولار، في حين قال آخرون إنها كانت تُستخدم كرشاوى موجهة لتوجيه الحجاج نحو فنادق معينة ضمن برامج الحج الرسمية التي تنظمها “ديانت“.
في المقابل، نفى دشتانبيك بشكل قاطع كل هذه الادعاءات، موضحًا أن المبلغ لم يتجاوز 10 آلاف دولار، وأنه عبارة عن تبرعات خيرية أُرسلت عام 2023 من قبل متبرع عبر شركة UTurizm بهدف توزيع طرود غذائية وزكاة للفقراء في مكة خلال شهر رمضان. ووفق تصريحه، فقد تم تسجيل المبلغ رسميًا من قِبل المحاسب المالي لـ”ديانت” آنذاك، وأُرسل تقرير مفصّل بشأنه إلى أنقرة.
ردود الفعل: “هذه مجرد بداية“
ورغم التوضيح الرسمي الذي قدمه دشتانبيك، إلا أن القضية ما تزال تتفاعل بقوة. مصدر داخلي في “ديانت” صرّح لصحيفة “بيرغون” المعارضة أن الشبهات المتعلقة بدشتانبيك كانت متداولة منذ سنوات داخل المؤسسة دون اتخاذ أي إجراءات. وأضاف المصدر بتساؤل لافت: “السؤال الجوهري هو: من الذي حماه طوال 20 عامًا في مكة؟“
وأشار المصدر إلى أن هذا الفيديو قد يكون مجرد “تفصيل صغير” ضمن شبكة فساد أوسع لم تُكشف خيوطها بعد، وسط اتهامات بتضخم نفوذ “ديانت” في الخارج وغياب الشفافية والمحاسبة.
“ديانت”: مؤسسة عملاقة بميزانية تفوق الوزارات
رئاسة الشؤون الدينية التركية، التي تأسست عام 1924، تعتبر من بين أكبر مؤسسات الدولة وأكثرها تأثيرًا. وتُشرف على الشؤون الدينية داخل تركيا وخارجها، بما في ذلك خطب الجمعة في أكثر من 80 ألف مسجد، كما أنها موكلة بتنظيم مناسك الحج والعمرة للوافدين الأتراك.
ورغم أن الدستور التركي يفرض عليها الحياد السياسي كجزء من الإطار العلماني للدولة، إلا أن “ديانت” واجهت انتقادات متكررة خلال السنوات الأخيرة بسبب تقاطع دورها مع السياسات التي ينتهجها حزب العدالة والتنمية الحاكم. وقد اتُهمت بالترويج لخطاب الحزب في الداخل والخارج.
بحسب بيانات ديوان المحاسبة التركي، فإن عدد موظفي “ديانت” تجاوز 140 ألفًا بحلول عام 2023، بينما بلغ حجم ميزانيتها لعام 2025 ما يقارب 130.2 مليار ليرة تركية (نحو 3.32 مليار دولار)، ما يجعلها أكبر من عدة وزارات سيادية في البلاد.
التحقيق مستمر والصمت الرسمي مستغرب
رغم كل الضجة، لم تصدر “ديانت” حتى الآن بيانًا شاملًا يوضح تفاصيل الواقعة أو يُعلن عن إجراءات محاسبة مباشرة بحق دشتانبيك. واكتفى المتحدث باسم المؤسسة بتأكيد فتح تحقيق داخلي حول الحادثة، دون تحديد موعد لإعلان نتائجه.
في الوقت ذاته، يتصاعد الضغط الشعبي والإعلامي للمطالبة بالشفافية الكاملة، خاصة في ظل تاريخ طويل من الاتهامات بتسييس “ديانت” واستغلال نفوذها المالي والديني لأغراض غير خدمية.

