أعاد انضمام تركيا إلى آلية دولية جديدة تقودها الولايات المتحدة للإشراف على وقف إطلاق النار في غزة وإدارة مسار إعادة الإعمار، فتح ملف بالغ الحساسية في السياسة الخارجية التركية، يتمثل في احتمال فرض مستوى من التنسيق العملي بين أنقرة وإسرائيل، رغم القطيعة السياسية والخطاب العدائي المتبادل منذ اندلاع الحرب.
وبحسب مقال للكاتب والمحلل السياسي التركي بنيامين تكين، في موقع “توركيش مينوت”، فإن دخول تركيا هذا الإطار لا يمكن فصله عن تحوّل جوهري في طبيعة المبادرة نفسها، التي لم تعد تقتصر على تثبيت التهدئة، بل تحوّلت إلى بنية سياسية – إدارية أوسع، تلامس مستقبل الحكم في غزة، وتضع أطرافًا متخاصمة على طاولة تنفيذ واحدة.
من آلية محدودة إلى هيكل سياسي موسّع
يشير تكين إلى أن ما عُرف بـ«مجلس السلام» طُرح في بدايته كإطار تقني يركز على مراقبة وقف إطلاق النار وتنسيق جهود إعادة الإعمار، إلا أن الإعلان الأميركي في منتصف يناير كشف عن توسّع صلاحياته ليصبح مظلة سياسية – تنفيذية تتداخل مع قضايا الإدارة والحوكمة والرقابة الأمنية.
هذا التحول، وفق القراءة التحليلية، جعل المشاركة التركية أكثر تعقيدًا، لأنها لم تعد محصورة في دور إنساني أو لوجستي، بل باتت جزءًا من منظومة تقرر مسارات أساسية في غزة ما بعد الحرب.
موقع أنقرة داخل “المجلس التنفيذي لغزة”
تتمحور المشاركة التركية عمليًا حول عضوية وزير الخارجية هاكان فيدان في «المجلس التنفيذي لغزة»، وهو هيئة مكونة من أحد عشر عضوًا أُعلن عنها لدعم إدارة فلسطينية مؤقتة ذات طابع تكنوقراطي.
يضم هذا المجلس شخصيات دولية وإقليمية بارزة، من بينها مسؤولون أمميون، ووزراء من دول عربية، إلى جانب ممثلين إسرائيليين من خلفيات اقتصادية. ويرى تكين أن هذا التكوين يفرض واقعًا جديدًا يتم فيه جمع أطراف ذات أجندات متناقضة داخل إطار تنفيذي واحد، ما يجعل التنسيق، ولو بالحد الأدنى، أمرًا لا مفر منه.
وفي السياق نفسه، تلقى الرئيس رجب طيب أردوغان دعوة منفصلة للانضمام إلى «مجلس السلام» الأوسع الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلا أن أنقرة لم تحسم علنًا ما إذا كان سيشغل هذا المقعد شخصيًا، ما يعكس حذرًا سياسيًا في التعامل مع المبادرة.
تنسيق هشّ واحتمال تدخل أميركي متكرر
يرى بنيامين تكين أن جمع تركيا وقطر وإسرائيل داخل مجلس تنفيذي واحد يعني عمليًا اضطرار هذه الأطراف إلى إدارة خلافاتها بدل تجاهلها، محذرًا من أن فشل التفاهم قد يشل عملية اتخاذ القرار.
ويضيف أن أي انسداد داخل المجلس سيؤدي إلى تدخل أميركي متكرر لفرض تسويات مرحلية، وهو ما يعكس مركزية الدور الأميركي ويحدّ من استقلالية الهيكل الجديد.
توقيع دافوس واستقبال أوروبي فاتر
جرى توقيع الوثيقة التأسيسية خلال منتدى دافوس الاقتصادي، حيث مثّل وزير الخارجية التركي الرئيس أردوغان في مراسم التوقيع، في خطوة حملت دلالات سياسية تتجاوز بعدها البروتوكولي.
غير أن التفاعل الأوروبي مع المبادرة جاء محدودًا، إذ لم تشارك سوى دول قليلة، بينما عبّرت عواصم أوروبية كبرى عن تحفظات تتعلق بطبيعة الهيكل، ومدى انسجامه مع الأطر القانونية والمؤسسية الدولية، فضلًا عن مخاوف تتصل بالحوكمة والصلاحيات.
ويلاحظ تكين أن هذا الفتور يعكس قلقًا أوروبيًا من إنشاء كيان موازٍ للهياكل الأممية، ومن تحوّل غزة إلى ملف يُدار خارج التوافقات الدولية التقليدية.
مكاسب سياسية واقتصادية لأنقرة
من زاوية المصالح، يعتبر تكين أن المشاركة تمنح أنقرة مكسبًا دبلوماسيًا يتمثل في الوصول المباشر إلى الدائرة الضيقة المحيطة بالإدارة الأميركية، خصوصًا في ظل أسلوب ترامب القائم على العلاقات الشخصية وقنوات الاتصال غير التقليدية.
كما يلفت إلى البعد الاقتصادي، مشيرًا إلى أن فاتورة إعادة إعمار غزة تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، ما يفتح المجال أمام شركات تركية كبرى للعب دور محوري في مشاريع البنية التحتية، في حال استقر المسار السياسي والأمني.
انتقادات داخلية حادة واتهامات بإقصاء الغزيين
في الداخل التركي، أثار القرار موجة انتقادات واسعة، صوّرت المشاركة على أنها تناقض مع الخطاب الرسمي الداعم للقضية الفلسطينية. وتركّزت الاعتراضات على أن الهيكل الجديد يُدار من الخارج، ويمنح أطرافًا دولية سلطة تقريرية، في حين يغيب التمثيل السياسي الحقيقي لسكان غزة.
ويرصد تكين أن جزءًا من الخطاب النقدي قدّم المبادرة بوصفها مشروعًا عقاريًا أو هندسيًا أكثر منها مسارًا سياسيًا يعزز حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، مع التركيز على أن إسرائيل، بحكم سيطرتها على المعابر والحركة، ستظل صاحبة اليد العليا عمليًا.
هواجس إسرائيلية ورؤية أميركية مغايرة
في المقابل، لا تُخفي إسرائيل تحفظها على مشاركة تركيا وقطر، معتبرة أن علاقاتهما مع حركة حماس تشكّل عنصر عدم ثقة. إلا أن الإدارة الأميركية، وفق تحليل تكين، تنظر إلى هذه العلاقات باعتبارها أداة مفيدة لتثبيت وقف إطلاق النار وضمان تنفيذ التفاهمات الميدانية.
هذا التباين في التقدير يعكس صراعًا غير معلن داخل الهيكل نفسه حول تعريف «الشريك المقبول» ودور كل طرف في غزة المستقبل.
مشروع ترامب وضغوط على المشاركين
يؤكد تكين أن المبادرة تحوّلت إلى مشروع شخصي ذي رمزية عالية بالنسبة لترامب، ما يعني أن أي تعطيل أو فشل في التنفيذ قد يُقابل برد فعل سياسي حاد من واشنطن تجاه الأطراف المشاركة.
وفي هذا السياق، يرى أن انسحاب تركيا أو امتناعها عن المشاركة لم يكن ليُغيّر مسار المشروع، لكنه كان سيحرم أنقرة من القدرة على التأثير، دون أن يحقق مكاسب ملموسة للفلسطينيين.
خلاصة
مشاركة تركيا في مجلس غزة الجديد تضعها أمام معادلة دقيقة بين المكاسب الدبلوماسية والكلفة الرمزية، وتفرض تنسيقًا عمليًا مع إسرائيل داخل هيكل تقوده واشنطن، وسط انتقادات داخلية ترى في المبادرة إقصاءً للغزيين عن تقرير مصيرهم.

