انتهى نهائي كأس السوبر التركي بين غلطة سراي وفنربهتشه على أرضية ملعب أتاتورك الأولمبي في إسطنبول، لكن تداعياته فتحت مجددًا ملفًا أوسع يتعلق بطريقة إدارة الاتحاد التركي لكرة القدم لهذه البطولة، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة من مسابقة رمزية تفتتح الموسم إلى عنوان دائم للفوضى التنظيمية وتبدّل القرارات.
الفوز الذي حققه فنربهتشه بثنائية نظيفة في أجواء مناخية قاسية، تحت أمطار غزيرة وبرد شديد، أعاد طرح تساؤلات حول توقيت إقامة النهائي، ومكانه، وجدوى الإصرار على ملعب مفتوح في ذروة الشتاء، وهو ما قوبل بانتقادات واسعة من جماهير وإعلاميين على حد سواء.
من مباراة واحدة إلى أربعة أطراف: تغيير هوية البطولة
للمرة الأولى في تاريخها، أُقيمت بطولة السوبر التركي بمشاركة أربعة فرق، بدل الصيغة التقليدية التي تجمع بطل الدوري وبطل الكأس. هذا التغيير، الذي استلهم نماذج مطبّقة في إسبانيا وإيطاليا، جاء بقرار من الاتحاد التركي دون تمهيد كافٍ أو رؤية واضحة، وزاد من حالة الإرباك التي ترافق البطولة منذ سنوات.
المسابقة نُظّمت في منتصف الموسم، حيث أقيمت مباريات نصف النهائي في غازي عنتاب وأضنة، قبل أن تُختتم في إسطنبول، في توقيت يُعد من الأصعب من حيث الظروف الجوية والجاهزية البدنية للفرق.
جذور البطولة: تاريخ طويل وتحولات متناقضة
تعود جذور البطولة إلى موسم 1965–1966، حين أُطلقت تحت اسم كأس الجمهورية، وجمعت بطل الدوري وبطل الكأس، ونجح غلطة سراي حينها في حصد أول ألقابها على حساب بشيكتاش. بعد انقلاب عام 1980، تغيّر اسمها مؤقتًا إلى كأس رئاسة الدولة، قبل أن تعود لاحقًا إلى مسماها السابق.
آخر نسخة تحت اسم كأس الجمهورية أُقيمت عام 1998، ثم جُمّدت البطولة لسنوات، إلى أن أعاد الاتحاد التركي إطلاقها عام 2006 تحت اسم “كأس السوبر”، في محاولة لتحديث الشكل والمضمون.
التجربة الأوروبية… عبر بوابة المهجر
مع إعادة إطلاق البطولة، قرر الاتحاد التركي نقلها خارج البلاد، واختيرت ألمانيا لاحتضان المباريات، بدافع مخاطبة الجاليات التركية الكبيرة هناك. غير أن هذه التجربة لم تعمّر طويلًا، إذ توقفت بعد ثلاث سنوات فقط، على خلفية أحداث شغب دفعت السلطات الألمانية إلى فرض قيود حتى على المباريات الودية للأندية التركية.
عادت البطولة بعدها إلى الداخل التركي، وتحديدًا إلى ملعب أتاتورك الأولمبي، قبل أن تبدأ مرحلة “التنقل الداخلي” بين المدن.
قطر ثم السعودية: رهانات خارجية فاشلة
في عام 2022، فاجأ الاتحاد التركي الوسط الرياضي بقراره نقل نهائي السوبر إلى قطر، تحت مبررات تسويقية ومالية. غير أن النتيجة جاءت مخيبة، إذ لم يتجاوز عدد الحضور بضعة آلاف في ملعب يتسع لعشرات الآلاف، ما حوّل الحدث إلى إخفاق تنظيمي واضح.
وبعد ذلك بعام، استلهم الاتحاد التركي التجربة الإسبانية والإيطالية، وقرر إقامة النهائي في الرياض. غير أن ما جرى هناك دخل الذاكرة الكروية التركية بوصفه واحدة من أكثر الليالي إحراجًا في تاريخ اللعبة. القيود التي فرضتها السلطات السعودية قبل النهائي، ومنع رفع لافتات تحمل مقولة “سلام في الوطن، سلام في العالم”، إضافة إلى منع ارتداء قمصان تحمل صورة مصطفى كمال أتاتورك، دفعت غلطة سراي وفنربهتشه إلى الامتناع عن خوض اللقاء، ليُلغى النهائي بالكامل.
شأنلي أورفا وفضيحة جديدة
بعد أزمة الرياض، أُعيدت البطولة إلى تركيا، وأقيم النهائي في نيسان 2024 بمدينة شانلي أورفا. إلا أن المشهد لم يكن أفضل، بعدما قرر فنربهتشه خوض المباراة بفريق تحت تسعة عشر عامًا، قبل الانسحاب في الدقائق الأولى. اللقاء انتهى بقرار اعتباري منح اللقب لغلطة سراي، لكن صورة الاتحاد التنظيمية تلقت ضربة جديدة لا تُمحى بسهولة.
ازدواجية غير مسبوقة في الرزنامة
بسبب القرارات المتقلبة، شهد عاما 2022 و2024 إقامة كأس السوبر مرتين في السنة نفسها، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ المسابقة، ويعكس حجم التخبط في التخطيط الزمني للاتحاد.
المقارنة الأوروبية: المال مقابل الفوضى
في حين تُنظم إنجلترا وألمانيا كأس السوبر قبل انطلاق الموسم بشكل ثابت وواضح، نقلت إسبانيا وإيطاليا البطولة إلى السعودية ضمن صيغة استثمارية مدروسة. العائدات المالية كانت ضخمة؛ إذ تجاوزت مداخيل كأس السوبر الإسباني عشرات الملايين من اليوروهات، جرى توزيع جزء منها على الأندية، فيما خُصصت حصة معتبرة لدعم كرة القدم للهواة. الأمر ذاته ينطبق على التجربة الإيطالية، بينما حافظت فرنسا على صيغة تقليدية بإقامة النهائي بين بطلي الدوري والكأس خارج أوروبا.
في المقابل، لم تحقق التجربة التركية أي مكاسب مالية أو تسويقية تُذكر، بل أنتجت أزمات متتالية وصورة مرتبكة للعبة محليًا.
خلاصة
تحولت كأس السوبر التركي من بطولة رمزية جامعة إلى مرآة تعكس عمق الأزمة الإدارية في كرة القدم التركية. وبين تقليد نماذج أوروبية دون أدواتها، وقرارات متقلبة بلا رؤية طويلة الأمد، بقي العائد الحقيقي هو الفوضى… لا التطوير.

