في خضم الجدل الدائر حول قوانين العفو والإفراجات الجديدة في تركيا، يثير الكاتب والمحلل السياسي لفنت جولتكين تساؤلات حادة بشأن استثناء الموظفين المفصولين بموجب مراسيم حالة الطوارئ الرئاسية من أي ترتيبات قانونية تتعلق بالعفو أو إعادة الإدماج.
ويرى جولتكين أن استبعاد الموظفين المفصولين بقرارات رئاسية، أو المفصولين لمجرد انتمائهم إلى حركة الخدمة، من قانون الإفراجات الأخير يُفرغ المشروع من مضمونه، ويُبقي على جرح اجتماعي مفتوح، لا يمكن تجاوزه دون مواجهة حقيقية وجريئة للملف.
مأساة آلاف المفصولين بقرارات رئاسية
منذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، استُخدمت المراسيم الرئاسية لإقالة عشرات الآلاف من الموظفين من وظائفهم، دون محاكمات أو تحقيقات قضائية نزيهة. ويؤكد جولتكين أن “الذنب” الوحيد لكثير من هؤلاء كان مجرد تحويل أموال لبنك مرخص رسميًا (مثل بنك أسيا التابع لحركة الخدمة)، أو الانضمام لنقابة مُعترف بها من قبل الحكومة، أو حتى العبور من باب مدرسة تابعة لحركة كولن. ثم تساءل قائلا: “هل يعقل أن يُحكم على إنسان بالحرمان من لقمة العيش لأنه أودع ماله في مؤسسة مرخصة من الدولة نفسها؟”
إقصاء سياسي متعمّد… والسبب: مصالح حزبية
بحسب جولتكين، فإن استبعاد أتباع حركة الخدمة من العفو ليس مجرد إغفال قانوني، بل قرار سياسي محسوب، فالحكومة أبعدت هؤلاء الموظفين عن المواقع والوظائف البيروقراطية ثم ملئتها بأنصار حزب العدالة والتنمية وحليفه القومي، متابعًا: “إذا أُعيد هؤلاء إلى وظائفهم بموجب القانون، سيتعين على الدولة إعادة توظيفهم ورد حقوقهم المسلوبة وإقالة البدلاء من أنصار التحالف الحاكم… وهذا ما لا يمكن فعله دون إثارة أزمة مؤسسية”.
كما يحذر من أن أي خطوة نحو “مصالحة” ستُحمل الدولة تكاليف مالية وتعويضات ضخمة، ما يفسّر امتناع الحكومة عن شمول أتباع الحركة بالعفو.
أزمة تتعدى البطالة: تجفيف كل سُبل الحياة
يشير جولتكين إلى أن الإقصاء لم يتوقف عند حدود الطرد الوظيفي. بل شمل حظر التوظيف في القطاع الخاص، ومنع الشركات من تسجيل أي موظف من أتباع حركة الخدمة في نظام الضمان الاجتماعي، في مناخ أقرب إلى “النبذ الجماعي“أو ما يشبه “الإعدام المدني“.
كيف نتحدث عن “سلام وطني” مع بقاء هذا الظلم؟
يُشكك جولتكين في إمكانية الحديث عن مصالحة وطنية أو وحدة شعبية في ظل الإصرار على استثناء هذه الشريحة الواسعة. ويقول إن التعامل مع حزب العمال الكردستاني “المحظور” رسميا، بات أكثر مرونة من التعامل مع موظف صِرْف بسبب درس أو اشتراك مصرفي بشكل موافق للقانون المعمول به، ثم يعقب بقوله: “إذا كانت الحكومة تقول إنها تسعى إلى هوية وطنية جامعة، فعليها البدء بفتح هذا الملف”.
منظور ضيق: المصلحة الحزبية قبل المصلحة الوطنية
يرى جولتكين أن مشكلة تركيا ليست قانونية فقط، بل بنيوية؛ فالرئيس رجب طيب أردوغان وحليفه دولت بهجلي لا يلتقيان مع ما هو في صالح تركيا، بل على العكس – “كل ما يفيد تركيا يضر بمصالحهم، وكل ما يُضعف البلاد يُعزز قبضتهم”، حسب تعبيره.

