سقوط النظام البعثي وبروز واقع جديد
في مقابلة نُشرت يوم الإثنين على موقع “يني ياشام” المقرب من التيار الكردي، أشار عبدي إلى أن الصراع السوري الطويل أطاح نهائيًا بنموذج الحكم المركزي الاستبدادي، الذي مثّله نظام بشار الأسد. وأوضح أن سقوط النظام في ديسمبر 2024، وصعود إدارة جديدة بقيادة “هيئة تحرير الشام” بزعامة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، غيّر بشكل جذري الطابع الأيديولوجي والجيوسياسي للدولة السورية.
وبحسب عبدي، فإن التحوّل من أيديولوجيا “القومية العربية العلمانية” إلى توجه “قومي إسلامي” يُعد تطورًا غير مسبوق منذ الاستقلال عام 1946، مما يجعل من الضروري “تأسيس نظام لامركزي يضمن تمثيل جميع المكونات السورية“.
اتفاق آذار: وقف شامل لإطلاق النار وأُسس لمرحلة انتقالية
الاتفاق الذي تم التوصل إليه في 10 آذار جاء بعد شهور من الاتصالات غير المباشرة بين “قسد” والإدارة السورية الجديدة، وجرى برعاية من منظمات مدنية مقرها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، والتي قدّمت الدعم الأمني واللوجستي لمسار التفاوض.
وبحسب عبدي، فإن الاتفاق يتضمن وقفًا شاملًا لإطلاق النار على مستوى البلاد، وإعادة دمج المناطق ضمن كيان الدولة السورية، وإدماج قوات “قسد” تدريجيًا في الجيش الوطني المُعاد هيكلته، وتشكيل مجالس محلية منتخبة، وضمانات دستورية لحقوق اللغات والأقليات.
ورغم أن العديد من البنود لا تزال محل تفاوض، فإن عبدي يرى في الاتفاق “أساسًا سياسيًا صلبًا يفتح باب الحوار بديلًا عن المواجهة العسكرية“.
تركيا: موقف مراقب لا معرقل
عبدي كشف عن وجود قنوات اتصال مباشرة مع تركيا، رغم اعتبار أنقرة لقوات “قسد” امتدادًا لحزب العمال الكردستاني. وأشار إلى أن الموقف التركي لم يعرقل الاتفاق حتى الآن، بل أبدى دعمًا ضمنيًا لفكرة الحل المشترك مع دمشق، مشيرًا إلى أن الأتراك يقولون لهم بوضوح: “اتفقوا مع دمشق، ونحن لا نعترض.”
ومع ذلك، لا تزال الخلافات قائمة بشأن مسألة دمج مقاتلي “قسد” ضمن الجيش السوري الجديد، إذ تشترط أنقرة تفكيك هذه القوات بالكامل، بينما يؤكد عبدي أن “قواتنا سورية، ولها الحق في أن تكون جزءًا من جيش وطني جامع“.
انتقادات كردية لسياسات الإدارة الجديدة
رغم التقدم المحرز، عبّر عدد من القيادات الكردية والمنظمات الحقوقية عن مخاوف جدّية من نوايا الإدارة الجديدة بقيادة هيئة تحرير الشام. ويتهم هؤلاء الحكومة الجديدة بانتهاج سياسات “تعريب ممنهجة” تستهدف تفكيك الإدارة الذاتية شمال شرقي سوريا، فضلًا عن الضغط على “قسد” لحل نفسها والتخلي عن السلاح، ما قد يؤدي – وفقًا لتحذيراتهم – إلى تفجّر جديد للصراع العرقي والطائفي في حال فشل الاتفاق.
محاور لم تُحسم بعد: النفط والمعابر والسيادة
رغم أن الاتفاق ساهم في تقليص العمليات القتالية الواسعة، إلا أن التنفيذ لا يزال متعثرًا على الأرض. وأشار عبدي إلى استمرار الخلافات حول البُنية القيادية المشتركة، وتقاسم عائدات النفط، والسيطرة على المعابر الحدودية مع العراق، وهي قضايا محورية لم تُحسم بعد وتُهدد بتأجيل تطبيق الاتفاق الكامل.
تحول جيوسياسي: سوريا خارج المحور الروسي الإيراني
في تحول غير مسبوق، يرى عبدي أن سقوط النظام البعثي أدى إلى ابتعاد سوريا عن المحور الروسي الإيراني، ما يُعد تغيرًا استراتيجيًا سيترك أثرًا بعيد المدى على خارطة التحالفات في الشرق الأوسط. “ما يحدث ليس مجرد تحول سوري، بل تغيير إقليمي شامل سيعيد رسم السياسة في الشرق الأوسط”، على حد وصفه.
أولوية الحوار بدلًا من الحرب
في ختام حديثه، شدد عبدي على أن الأولوية الآن هي إنهاء الحرب نهائيًا عبر الحل السياسي، مطالبًا جميع الأطراف بـ”التركيز على الترجمة الفعلية لبنود الاتفاق” على أرض الواقع، حيث يقول “يجب أن لا يكون هناك مزيد من الحرب الأهلية. يجب أن يكون هناك وقف دائم لإطلاق النار”.

