شهدت الجلسة الأولى لمجلس بلدية أنطاليا الكبرى بعد اعتقال رئيسها المنتخب “محيي الدين بوجَك” أجواء شديدة التوتر، تخللتها مشادات وشعارات واحتجاج رمزي باستخدام “صندوق أحذية” في إشارة إلى فضيحة فساد حكومية تعود لعام 2013، فيما اعتبرت المعارضة أن التوقيف الأخير يحمل أبعادًا سياسية لا قانونية.
اعتقال بوجك يُفجر التوتر داخل مجلس البلدية
عُقدت جلسة يوليو العادية لمجلس بلدية أنطاليا الكبرى وسط أجواء مشحونة، هي الأولى منذ توقيف رئيس البلدية عن حزب الشعب الجمهوري محيي الدين بوجك ضمن ما وُصف بـ”عملية تطهير جديدة” ضد رؤساء البلديات المعارضين، استنادًا إلى أقوال رجل أعمال معتقل.
حضر نواب حزب الشعب الجلسة وهم يضعون “الوشاح اليوروقي”، كرمز تضامني مع بوجك، في حين ترأس الاجتماع نائبه “بايرام علي تشلتك”، بسبب غياب الرئيس المعتقل. ورافق الجلسة حضور شعبي لافت، في ظل تزايد المخاوف من تسييس القضاء وتقييد الديمقراطية المحلية.
نائب الرئيس: “أشعر بالخجل من هذا المشهد باسم العدالة”
في كلمته الافتتاحية، أبدى نائب رئيس البلدية بايرام علي تشلتك أسفه الشديد مما وصفه بـ”الواقع المُحزن للعدالة في تركيا”، معتبرًا أن احتجاز بوجك لا يستند إلى معطيات قانونية متينة، بل إلى “أجواء سياسية ضاغطة“.
وأضاف: “عندما تولى محيي الدين بوجك رئاسة البلدية، كانت المدينة في حالة مديونية كبيرة، لكنه تمكن من تصفية هذه الديون بالكامل. كما أنه تبرع بأملاكه الشخصية للبلدية. واليوم، يُتهم شخص بهذا التاريخ النزيه دون محاكمة عادلة أو دليل ملموس، في تجاوز صارخ لكل المعايير القانونية.”
حزب الشعب الجمهوري: “هذه ليست قضية فساد، بل قرار سياسي”
من جانبها، قالت بشرى أوزدمير، نائبة رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري، إن “الاعتقال سياسي بامتياز، ولا يستند إلى أي حكم قضائي، بل إلى اتهامات لا تزال في طور التحقيق“.
وأضافت: “نحن هنا اليوم لا لنناقش الميزانيات أو المشاريع، بل لندافع عن إرادة ناخبي أنطاليا الذين اختاروا بوجك في صناديق الاقتراع. هذا الاعتقال يعكس انتهاكًا واضحًا للديمقراطية ويمثل سابقة خطيرة في تاريخ الجمهورية التركية“.
نائب عن الحزب الحاكم يُشعل الجلسة
في المقابل، حاول رئيس الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية (AKP) بهاء الدين بايراقدار تحويل النقاش إلى ملف الفساد، حيث قال: “لا ينبغي أن ترتبط صورة تركيا مجددًا بصناديق الأحذية أو زجاجات الويسكي أو صواني البقلاوة. هذه الصور تجرح ضمير الشعب.”
هذا التصريح أثار غضب الحضور، خاصة نواب حزب الشعب الجمهوري، الذين اعتبروه استفزازًا متعمدًا وتلميحًا مباشرًا إلى مزاعم فساد بحق المعارضة.
احتجاج رمزي: صناديق وأحذية في وجه الحكومة
في رد غير مسبوق، قام عضو المجلس عن حزب الشعب الجمهوري محمد باليق بوضع صندوق أحذية على طاولة حزب العدالة والتنمية داخل القاعة، في إشارة ساخرة إلى فضيحة عام 2013، التي عثرت السلطات الأمنية على عملات بالدولار واليورو معبئة في صناديق أحذية، والتي تورط فيها وزراء وأبناؤهم ومسؤولون بالحزب الحاكم.
وما زاد التوتر، قيام أحد الحضور بإلقاء زوج من الأحذية من شرفة المجلس نحو قاعة الاجتماع، في مشهد رمزي صاخب حوّل الجلسة إلى ما يشبه مسرحًا احتجاجيًا، وعكس حجم الانقسام والاستقطاب داخل الحياة السياسية المحلية.
وكان أردوغان اضطر إلى إقالة الوزراء المتورطين في ممارسات الفساد والرشوة من مناصبهم في وقت لاحق، لكنه منع محاكمتهم، وأغلق القضية بكاملها بعد عدة أشهر، مع الإفراج عن جميع المسؤولين ورجال الأعمال المتورطين.
ومع أن أردوغان زعم أن الدولارات المعبئة في صناديق الأحذية وضعتها الشرطة في منازل أبناء الوزراء في مؤامرة مدبرة للانقلاب على حكومته، إلا أن محكمة الصلح والجزاء، التي أسسها أردوغان بعد إغلاق المحاكم السابقة، قررت إعادة الأموال المعثور عليها في إطار تحقيقات الفساد (2013) إلى مالكها، وهو رجل الأعمال التركي إيراني الأصل رضا زراب، الذي هرب إلى لولايات المتحدة بعد الإفراج عنه، خشية تحقيقات لاحقة، وخضع هناك لمحاكمة أمريكية اعترف خلالها بتأسيسه شبكة فساد ورشوة وغسيل أموال دولية للالتفاف حول العقوبات الأمريكية على إيران، وذلك بالتنسيق المباشر مع من وصفه بـ”الرقم الأول” -في إشارة إلى أردوغان-، لكن الأخير رفض تلك الاتهامات.
السياق الأوسع: حملات ممنهجة ضد البلديات المعارضة؟
يأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه الانتقادات الحقوقية للسلطة التنفيذية في تركيا بشأن “استخدام القضاء أداةً لتصفية الحسابات السياسية”، خاصة بعد حملات الإقصاء المستمرة التي تستهدف رؤساء بلديات من المعارضة في مدن رئيسية، أبرزها إسطنبول وأنقرة وأنطاليا.
ويُنظر إلى اعتقال بوجك، الذي يحظى بشعبية واسعة، باعتباره رسالة سياسية مزدوجة: للداخل الحزبي المعارض بضرورة الانضباط، وللناخبين بأن إرادتهم ليست محصّنة أمام سلطة الدولة المركزية.

