منذ مطلع عام 2026، تشهد الساحة السورية حراكًا روسيًا متسارعًا يعكس انتقال موسكو من موقع المراقبة الحذرة إلى دور الفاعل المباشر في إعادة صياغة التوازنات السياسية والميدانية. هذه العودة لا تأتي بمعزل عن سياق إقليمي أوسع، تتداخل فيه حسابات روسيا مع مصالح كل من إسرائيل والولايات المتحدة، في مشهد غير مسبوق من التنسيق غير المعلن وتبادل الأدوار.
الكاتب والمحلل السياسي التركي كريم خاص، الخبير في الشؤون الروسية والعلاقات الدولية، يرى أن هذا التحرك الروسي لا يقتصر على تثبيت النفوذ، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة هندسة “سورية ما بعد التحولات الكبرى”، في ظل انشغال الغرب بأزماته الممتدة، وتراجع قدرة القوى الإقليمية على فرض أجنداتها منفردة.
دمشق الجديدة وموسكو: من التحالف الأيديولوجي إلى البراغماتية
زيارة وزيري الخارجية والدفاع السوريين إلى موسكو شكلت علامة فارقة في مسار العلاقات الثنائية، ليس فقط بسبب مستوى الاستقبال الرسمي الذي شمل لقاءات مباشرة مع الرئيس فلاديمير بوتين وكبار المسؤولين الروس، بل لما حملته من رسائل سياسية عميقة.
المباحثات ركزت على إعادة بناء التعاون العسكري والتقني، بما يشمل تحديث منظومات التسليح، وتوسيع برامج التدريب المشترك، ودراسة مشاريع لإنتاج أسلحة داخل سورية بدعم روسي مباشر. ويرى كريم خاص أن موسكو تسعى من خلال ذلك إلى تأسيس علاقة مؤسساتية مستقرة مع الإدارة الجديدة في دمشق، بقيادة أحمد الشرع، تقوم على المصالح الاستراتيجية المتبادلة، بعيدًا عن أي رهانات أيديولوجية سابقة.
الجنوب السوري: مساحة توافق روسي – إسرائيلي
بحسب تحليل كريم خاص، يشكل البعد الإسرائيلي عنصرًا حاسمًا في إعادة انتشار روسيا داخل سورية. فموسكو، رغم انتقاداتها الشكلية للغارات الإسرائيلية، تحرص على عدم تجاوز سقف الشجب الدبلوماسي، إدراكًا منها أن الحفاظ على قناة تنسيق مستقرة مع تل أبيب يمثل ضمانة أساسية لاستمرار وجودها العسكري الآمن.
وفي هذا السياق، أعادت الشرطة العسكرية الروسية الانتشار في جنوب سورية، قرب الحدود مع إسرائيل، لتشكّل عمليًا منطقة فاصلة بين الجيش الإسرائيلي والقوى المرتبطة بإيران. هذا الانتشار، وفق خاص، يتم في ظل قبول أميركي ضمني، حيث ترى واشنطن في الدور الروسي وسيلة لإدارة الحدود دون انخراط مباشر، بينما تعتبره إسرائيل حاجزًا غير معلن يقيها من الاحتكاك مع إيران ويحد من الدور التركي في تلك المنطقة الحساسة.
الاقتصاد كرافعة نفوذ: إعادة الإعمار مقابل الاستقرار
لا تكتفي موسكو بالبعد العسكري، بل تعمل على إعادة صياغة نفوذها عبر بوابة الاقتصاد. فخلال اللقاءات الأخيرة، طُرحت ملفات إعادة الإعمار، والطاقة، والبنى التحتية، بما في ذلك إعادة تشغيل محطات الطاقة والمعامل التي أنشأتها شركات روسية سابقًا، إضافة إلى ترميم الموانئ وخطوط النقل.
يرى كريم خاص أن هذا المسار يهدف إلى خلق اعتماد اقتصادي متبادل يضمن لروسيا استقرار قواعدها العسكرية، خصوصًا في طرطوس وحميميم، اللتين يجري توسيع وظائفهما لتشمل أدوارًا لوجستية وتجارية. فطرطوس، وفق هذا التصور، مرشحة للتحول إلى عقدة إقليمية لنقل الحبوب والطاقة نحو المتوسط وإفريقيا، وهو ما يمنح دمشق في المقابل موردًا اقتصاديًا وموقعًا تفاوضيًا في مواجهة الضغوط الغربية.
ماهر الشرع: قناة الثقة غير المعلنة
في خلفية هذا التقارب، يبرز دور ماهر الشرع، شقيق الرئيس السوري، بوصفه شخصية محورية في ترميم العلاقة مع موسكو. عاش ماهر سنوات طويلة في روسيا، وبنى شبكة علاقات واسعة داخل الأوساط الأكاديمية والعسكرية، ما جعله، بحسب كريم خاص، حلقة ثقة نادرة بين الطرفين.
توليه رئاسة اللجنة الاقتصادية المشتركة إلى جانب الوزير الروسي المختص بالبنى التحتية يشير إلى اعتماد موسكو على قنوات شخصية ضيقة لإدارة الملفات الحساسة، في محاولة لتجاوز إرث الشكوك التي أعقبت التحولات السياسية في دمشق.
إعادة تعريف الدور الروسي: من القوة الصلبة إلى الناعمة
يحدد كريم خاص ملامح السياسة الروسية الجديدة في سورية بثلاثة مسارات متداخلة: تكريس التواصل الدبلوماسي المنتظم مع القيادة السياسية، وتثبيت الوجود العسكري خصوصًا في الجنوب لطمأنة إسرائيل وتحجيم إيران، وإطلاق مشاريع ثقافية ومدنية تعيد تقديم روسيا بوصفها شريكًا طويل الأمد.
في هذا الإطار، يجري الحديث عن إعادة تفعيل مؤسسات ثقافية روسية في دمشق، وإطلاق برامج تعليمية وإعلامية، في مسعى لبناء نفوذ ناعم يوازي الحضور العسكري.
الملف الكردي: توازن هش لا شراكة كاملة
يرى كريم خاص أن الرؤية الإسرائيلية للملف الكردي تتقاطع مع التموضع الروسي الجديد. فتل أبيب، بحسبه، لا تسعى إلى قيام دولة كردية قوية ومستقلة، بل تفضّل كيانًا هشًا، متكاملًا اقتصاديًا معها، وضعيفًا عسكريًا، بما يضمن تبعيته وحاجته المستمرة للحماية.
ومن هذا المنطلق، تدعم إسرائيل صيغة فدرالية لسورية، لا تفكيكها الكامل، بما يضمن توزيع النفوذ ومنع قيام دولة مركزية قوية قادرة على تهديد ميزان القوى الإقليمي.
تركيا في مأزق استراتيجي متصاعد
تحليل كريم خاص يسلط الضوء على تعقّد الموقف التركي، حيث تجد أنقرة نفسها محاصرة بتوازنات جديدة: روسيا تتمدد جنوبًا، والأكراد يرسخون وجودهم شمالًا، وإسرائيل تدير خطوط اتصال خلفية مع مختلف الأطراف.
ويرى أن تركيا، رغم خطابها السياسي المعادي لإسرائيل، باتت عمليًا جزءًا من منظومة إقليمية تخدم مصالح تل أبيب، سواء عبر مسارات الطاقة أو السياسات الأمنية التي أضعفت سورية وعمّقت الانقسامات الداخلية التركية.
من أربيل إلى القامشلي: النموذج القابل للتكرار
يربط كريم خاص بين التجربة الكردية في شمال العراق والمسار المحتمل في شمال سورية، معتبرًا أن المرحلة المقبلة قد تشهد ترسيخ صيغة “فدرالية واقعية”، تحافظ على وحدة شكلية للدولة السورية مع منح الأكراد صلاحيات واسعة، تحت مظلة روسية وإسرائيلية وبقبول أميركي غير معلن.
ولا يستبعد أن يكون هذا النموذج خطوة انتقالية نحو استقلال موجه، رهنًا بالتحولات الإقليمية والدولية.
الحسابات التركية الداخلية والصفقة المؤجلة
يذهب التحليل إلى أن القيادة التركية قد تجد نفسها، في إطار صفقة إقليمية أوسع، مضطرة إلى القبول الضمني بكيان كردي فدرالي في سورية، مقابل ضمانات تتعلق بمستقبل السلطة في أنقرة. ويتوقع كريم خاص أن تُستخدم الورقة الكردية في مفاوضات غير معلنة مع الغرب وإسرائيل، ضمن ترتيبات تتجاوز الجغرافيا السورية إلى الداخل التركي.
خلاصة
وفق قراءة كريم خاص، تتحول سورية إلى ساحة إدارة مشتركة بين روسيا وإسرائيل بقبول أميركي هادئ، فيما يقترب الأكراد من تثبيت كيان فدرالي تحت رقابة القوى الكبرى. في المقابل، تبدو تركيا الطرف الأكثر ارتباكًا، عالقة بين خطاب المواجهة وواقع التكيف مع خرائط جديدة يعاد رسمها بصمت.

