في مشهد يعكس احتدام الجدل السياسي والاقتصادي في تركيا، وجّه رئيس حزب “الديمقراطية والتقدم” علي باباجان انتقادات حادة لحكومة حزب العدالة والتنمية، محمّلًا إياها مسؤولية الانهيار الاقتصادي وسوء إدارة الكوارث الطبيعية، لا سيما في ملف الزلازل.
كلمة باباجان، التي ألقاها خلال مؤتمر حزبه في منطقة غازي عثمان باشا بإسطنبول، تضمنت مزيجًا من الاتهامات السياسية والتحذيرات الإنسانية، إذ اعتبر أن “الشعب التركي وصل إلى حد الانفجار”، مؤكداً أن “الأسر لم تعد تخشى الزلازل بقدر خوفها من الفقر والجوع”.
باباجان: “الناس لم يعد يحتملون”
في خطابه، رسم باباجان صورة قاتمة للواقع المعيشي في البلاد، مؤكدًا أن ملايين الأسر التركية باتت تواجه أزمة معيشية خانقة إلى جانب مخاطر الزلازل.
وقال إن “السكين بلغ العظم” وإن الناس من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق يصرخون “سئمنا”، مشيرًا إلى أن تركيا تحولت إلى “بلد يعجز فيه المواطن عن إطعام أسرته أو ملء سلة التسوق“.
ووصف الحالة الاقتصادية بأنها “انهيار للطبقة الوسطى التي كانت تمثل عماد المجتمع”، مشيرًا إلى أن “الهوة بين الأغنياء والفقراء تتسع بوتيرة خطيرة”.
وانتقد باباجان السياسات الحكومية التي جعلت العمال والمتقاعدين “يعيشون على الصدقات بعد سنوات من العمل والكدّ”، مضيفًا أن “الشباب فقدوا القدرة على الحلم، وغابت الثقة بالمستقبل”.
الاقتصاد في مرمى الانتقادات: من التضخم إلى العدالة الاجتماعية
واصل باباجان هجومه على الحكومة من بوابة الاقتصاد، مؤكدًا أن “العبء الضريبي أثقل كاهل الفقراء”، وأن السياسات الاقتصادية الحالية “تقوم على نقل الثروة من الطبقات العاملة إلى قلة من الأثرياء المقربين من السلطة”.
وأشار إلى أن التضخم بلغ ذروته في قطاعات السكن والتعليم والغذاء، متسائلًا عن جدوى برامج الحكومة الاقتصادية في ظل تدهور القدرة الشرائية.
كما هاجم تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان التي ربط فيها ارتفاع الأسعار بتداعيات جائحة كورونا، قائلاً: “منذ أكتوبر 2020 وحتى اليوم، بلغ معدل التضخم التراكمي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 41%، بينما في تركيا وصل إلى 713%. فهل السبب فعلاً هو الجائحة، أم سوء الإدارة؟”
وأكد أن السبب الحقيقي هو “ارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة انهيار الثقة والاستقرار”، داعيًا إلى إصلاح زراعي واسع ودعم المنتجين المحليين لكبح جماح الأسعار.
وشدد على أن “سرّ إدارة الاقتصاد يكمن في العدالة، وسيادة القانون، والإدارة الكفؤة، واتخاذ القرار بالتشاور لا بالتفرد”، محذرًا من أن استمرار السياسات الحالية سيؤدي إلى “فشل ذريع”.
ملف غزة: رسالة سياسية ضد التطبيع
وفي محور السياسة الخارجية، تناول باباجان التطورات في غزة، معتبرًا أن ما يجري هو “جريمة حرب مستمرة” رغم وقف إطلاق النار المؤقت.
وقال إن المجازر التي وقعت في أواخر تشرين الأول/أكتوبر، خصوصًا في شمال غزة، تمثل “انتهاكًا صارخًا لكل القيم الإنسانية”.
وأضاف أن “التوقيع على صفحة واحدة لا يمكن أن يجعلنا ننسى الفلسطينيين”، في إشارة إلى الاتفاقيات الدبلوماسية الأخيرة بين أنقرة وتل أبيب.
وأكد أن تركيا يجب أن تبقى “ثابتة في موقفها الأخلاقي ضد جرائم الاحتلال الإسرائيلي”، داعيًا الحكومة إلى اتباع سياسة خارجية متزنة تحفظ المبادئ دون الانجرار وراء الحسابات السياسية الضيقة.
كارثة غبزة: الزلزال الصامت الذي كشف الفشل الإداري
تطرق باباجان إلى حادثة انهيار المبنى في منطقة غبزة بولاية كوجالي، التي أسفرت عن مقتل أربعة أفراد من عائلة واحدة، معتبرًا أنها “كارثة كان يمكن تفاديها“.
وأشار إلى أن سكان الحي كانوا قد أبلغوا السلطات قبل خمسة أشهر بوجود تصدعات في المبنى، إلا أن التحذيرات لم تلقَ أي استجابة من الجهات المختصة.
وربط الحادث بما وصفه “سلسلة من الإهمالات”، قائلاً إن “ادعاءات تضرر أساسات المبنى بسبب أعمال المترو القريبة تستدعي تحقيقًا عاجلًا وشفافًا”.
وشدد على أن “الدولة وُجدت لحماية حياة مواطنيها، لا لتبرير أخطائها”، مؤكداً أن “الطرقات والجسور لا قيمة لها إن لم تُصن أرواح الناس”.
وحذّر من أن تركيا “بلد زلزالي يعيش الإنكار الإداري”، مضيفًا أن “الحكومات تتذكر الخطر بعد كل مأساة ثم تنساه سريعًا”.
وطالب الحكومة والبلديات بالتحلي بالمسؤولية، قائلاً: “إذا كنتم لا تملكون الإرادة أو الكفاءة لإدارة ملف الزلازل، فاعترفوا بعجزكم واتركوا المكان لمن يقدر على حماية الناس”.
دعوة إلى الإصلاح المؤسسي والشفافية
اختتم باباجان كلمته بالتأكيد على أن إصلاح الاقتصاد والإدارة العامة في تركيا يبدأ بإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة، لافتًا إلى أن “غياب العدالة والكفاءة هو أصل كل أزمات البلاد“.
ودعا إلى “تحرير الدولة من دائرة الولاءات الشخصية، وإعادة الاعتبار لمبدأ المشاركة في صنع القرار”، مؤكدًا أن “من لا يسمع صوت الشعب سيجد نفسه في مواجهة غضبه”.

