في إطار تحركات دبلوماسية واقتصادية متزامنة تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، تتجه العلاقات بين روسيا والهند نحو مراحل أكثر اتساعاً تشمل قطاعات الطيران المدني، والدفاع، والطاقة النووية، بالتوازي مع تعزيز التبادلات التجارية بالعملات الوطنية وتوسيع نفوذ تكتل “بريكس”.
صفقة طيران إقليمية: 85 طائرة روسية ترفد الأسطول الهندي
خلال فعاليات المعرض الصناعي “إنوبروم الهند” (Innoprom India)، أبرمت شركة “بناء الطائرات الموحدة” (OAK) التابعة لمؤسسة “روستيك” (Rostec) الحكومية الروسية اتفاقات مع شركتين هنديتين لتوريد 85 طائرة ركاب إقليمية من طراز “إل-114-300” (Il-114-300) ذات المحرك التوربيني. وبموجب هذا الاتفاق، تنضم 50 طائرة إلى أسطول شركة “بيناكل اير” (Pinnacle Air)، بينما تحصل شركة “سليك أفياشن” (Sleek Aviation) على 35 طائرة.
وتضمن الاتفاق المبرم مع “سليك أفياشن” توقيع مذكرة تفاهم تهدف لإنشاء مركز تدريب متخصص مجهز بجهاز محاكاة طيران كامل داخل مقر الشركة الهندية. ومن المقرر أن تُحدد جداول التسليم، وشروط الصيانة الفنية، وتعهدت التوطين المتبادلة من خلال عقود منفصلة تُبرم لاحقاً.
وأوضح فاديم باديها، المدير العام لشركة “بناء الطائرات الموحدة”، أن هذه الاتفاقيات جاءت نتيجة مباشرة للاحتفاء والاهتمام الواسع اللذين حظيت بهما الطائرة خلال معرض “أجنحة الهند” (Wings of India) في يناير/كانون الثاني الماضي. وأكد باديها تطلع الشركة لتوقيع العقود الملزمة النهائية قبل نهاية العام الحالي، مشيراً إلى أن الجانبين يخططان للانتقال إلى شراكة صناعية موسعة تشمل الخدمات الفنية، وصيانة الطائرات، وتدريب الكوادر، فضلاً عن إمكانية تصنيع وتوطين أجزاء من طائرة “إل-114-300” داخل الهند.
تقديرات السوق وخطط الإنتاج المتصاعدة
تتوقع شركة “بناء الطائرات الموحدة” أن تتوسع احتياجات السوق الهندية خلال العقد المقبل لتصل إلى نحو 100 طائرة من طراز “إس جيه-100” (SJ-100) وأكثر من 100 طائرة من طراز “إل-114-300”.
وفي السياق ذاته، كشف دانييل برينرمان، المدير العام لشركة “إليوشين” (Il)، خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي الشرقي، عن الجدول الزمني للتصنيع؛ حيث تستهدف الشركة إنتاج ست طائرات من طراز “إل-114-300” بحلول عام 2028، ليتم زيادة معدل الإنتاج لاحقاً ليصل إلى 12 طائرة سنوياً. وأشار برينرمان إلى أن الطائرات الثلاث الأولى من الإنتاج التسلسلي بلغت مستويات عالية من الجاهزية، وسط خطط لتسليم أول طائرة للعملاء قبل نهاية عام 2026.
محادثات نيو دلهي: الملف الأوكراني والأزمات الإقليمية
على الصعيد الدبلوماسي، وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الهند للمشاركة في قمة قادة تكتل “بريكس” المقررة يومي 12 و13 سبتمبر/أيلول. وعقد بوتين جلسة مباحثات ثنائية مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في العاصمة نيو دلهي.
وأكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية (الكرملين)، دميتري بيسكوف، أن اللقاء أتاح للرئيس بوتين إطلاع رئيس الوزراء الهندي بشكل تفصيلي على مستجدات الأوضاع والتطورات الميدانية على خطوط المواجهة في النزاع الأوكراني. كما شملت المحادثات تبادل الآراء بشأن مستجدات الأوضاع في الشرق الأوسط وخاصة الوضع في إيران، إلى جانب المشاريع الدولية وقضايا الساعة على الساحة العالمية.
تعاون دفاعي ونووي واسع النطاق
وأوضح بيسكوف أن المحادثات بين المسؤولين الروس والهنديين أولت أهمية بالغة لملف التعاون العسكري والدفاعي. وشبّك المتحدث باسم الكرملين على التزام موسكو التام بالوفاء بتعهداتها المتعلقة بتوريد منظومات الدفاع الجوي “إس-400” (S-400) للهند، فضلاً عن استمرار المفاوضات بشأن إمكانية تزويد الهند بمقاتلات الجيل الخامس الخفية “سوخوي-57” (Su-57). أما في قطاع الطاقة، فتتطلع موسكو إلى إجراء مفاوضات متقدمة لبناء محطات طاقة نووية جديدة على الأراضي الهندية.
التسويات بالعملات الوطنية وتوسيع تكتل “بريكس“
وشدد الكرملين على الصفة الاستراتيجية للعلاقات مع الهند، مؤكداً أهمية تعميق الشراكة بين البلدين في شتى المجالات. وتصدرت الشؤون الاقتصادية والتجارية جدول الأعمال، حيث يُنفذ الجزء الأكبر من المعاملات التجارية بين روسيا والهند بالعملات الوطنية.
وأشار بيسكوف إلى أن نحو 90 في المئة من التبادلات التجارية بين دول مجموعة “بريكس” أصبحت تُجرى بالعملات الوطنية. وأوضح أن روسيا لا تهدف إلى إلغاء التعامل بالدولار بشكل مطلق، لكنها تبدي انفتاحاً على جميع وسائل الدفع الممكنة والمقبولة. واختتم بيسكوف بالإشارة إلى أن تكتل “بريكس” لم يعد مجرد منظمة بل تحول إلى “تكتل ضخم”، مجدداً دعم روسيا الكامل لاستمرار توسيع المجموعة وضم اعضاء جدد.

