كشف المحلل السياسي التركي سعيد صفاء عن تفاصيل مثيرة تتعلق بعمليات فساد واسعة تُحاك في خلفية المشهد السياسي التركي، مرتبطة مباشرةً بحملة الاعتقالات الأخيرة ضد رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو وكبار مسؤولي بلدية إسطنبول.
إقرار ضمني من أردوغان
أشار صفاء في تحليل عبر قناته على موقع يوتيوب إلى تصريح مهم للرئيس رجب طيب أردوغان، والذي يعتبره بمثابة “إقرار غير مباشر” بأسباب الحملة الأخيرة، حيث صرح أردوغان بأن إسطنبول لا يمكن التضحية بها من أجل الطموحات السياسية، متهماً المعارضة بعرقلة مشاريع الإسكان وتحسين البنية التحتية، لا سيما مشاريع التحول الحضري. صفاء رأى أن هذا التصريح يعكس عمق الصراع حول مشاريع عقارية كبرى تشكل صلب المواجهة.
مشروع إسكان ضخم ومخاطر بيئية
الملف الأبرز يدور حول مشروع بناء 24 ألف وحدة سكنية من خلال مؤسسة “توكي” للإعمار والإسكان، وهو مشروع أُسند إلى شركة يديرها رجل الأعمال بلال شاهين يلماز، المقرب من بلال أردوغان نجل الرئيس. الغريب أن المشروع يقع في منطقة سَزلِدَرَه، وهي منطقة حيوية تؤمن المياه لحوالي 750 ألف نسمة عبر سدّ سَزلِدَرَه، ما جعل بلدية إسطنبول تعارض المشروع بشدة لدواعٍ بيئية.
بحسب صفاء، أوقف المدير العام السابق لشركة المياه والصرف الصحي بإسطنبول(İSKİ)، شفق باشا، المشروع، ما أدى إلى توقيفه لاحقًا. ولفت صفاء أن هذه المعارضة التقنية جرى تحويلها إلى معركة سياسية هدفها ضرب إمام أوغلو وتهيئة الأرضية لعزله.
شبكة المصالح: من الإسكان إلى الغذاء
أزاح سعيد صفاء الستار عن أن شركة يلماز ليست جديدة على الصفقات العمومية، بل حصلت سابقًا على عقود كبرى في مشاريع الإسكان ومشاريع الإغاثة المرتبطة بمؤسسة “الإنسان والعرفان” (İnsan ve İrfan Vakfı)، التي أسسها بلال أردوغان.وتعود القصة إلى ما قبل عام 2020، حين أسست المؤسسة شركة “دونوقسا” لتوريد اللحوم للمحتاجين، لكنها واجهت اتهامات بالاحتيال على مربي الماشية، إذ استُخدمت القروض المصرفية التي قُدمت باسمهم لتحقيق مكاسب خاصة.
الإعفاءات الضريبية وعلاقات النفوذ
ذكر صفاء إلى أن مؤسسة “الإنسان والعرفان” مُنحت إعفاءً ضريبيًا رسميًا في عام 2021، بمرسوم رئاسي وقّعه الرئيس أردوغان، مما سهّل حركة الأموال وإخفاء أرباح المشاريع المثيرة للجدل. ومن بين أعضاء مجلس أمناء المؤسسة شخصيات مرتبطة مباشرة بحزب العدالة والتنمية مثل زاهد بوهورلار ومراد توركي يلماز.
المعارضة في موقف دفاعي
من جانب آخر، نتقد سعيد صفاء موقف المعارضة التركية، وخصوصًا حزب الشعب الجمهوري بقيادة أوزجور أوزيل، الذي يرى أنه انجرّ إلى موقف دفاعي بدل الهجوم، مشيراً إلى أن الحزب كان عليه التركيز على فضائح الفساد والتهريب المرتبطة بالحكومة، بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات الانفعالية.
مأزق القيادة في المعارضة
حذر صفاء من أن حزب الشعب الجمهوري دخل في حالة من الوهم السياسي، معتقدًا أن طريقه ممهد نحو السلطة في الانتخابات القادمة، مستندًا إلى شخصيات مثل إمام أوغلو ومنصور يافاش. لكنه نبه إلى أن تفكك الجبهة الداخلية للحزب وفشل إدارة الأزمة قد يبددان هذه الفرصة، خاصة مع استمرار الضربات الحكومية المتتالية.

