في تطور يُعد من أبرز التحولات الجيوسياسية في الملف السوري، أعلنت وزارة الدفاع التركية أن الحكومة السورية المؤقتة طلبت رسميًا دعمًا عسكريًا من تركيا لتعزيز قدراتها الدفاعية والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وذلك وفق ما أفاد به موقع دويتشه فيله النسخة التركية، يوم الأربعاء.
وأوضح مسؤولون في الوزارة، خلال إحاطة صحفية في أنقرة، أن الطلب السوري يشمل برامج تدريب، واستشارات عسكرية، ودعمًا تقنيًا، في إطار مساعٍ لإعادة بناء البنية الدفاعية للدولة السورية، ومواجهة التهديدات الأمنية وعلى رأسها تنظيم “داعش“.
وقالت الوزارة في بيانها: “نعمل بتنسيق وثيق مع الحكومة السورية الجديدة. وبناءً على طلب رسمي، شرعنا في خطوات لتقديم الدعم الفني والتدريب والاستشارة، انسجامًا مع هدفنا في الحفاظ على وحدة سوريا السياسية وسلامة أراضيها واستقرارها طويل الأمد.”
من العداء إلى التعاون: أنقرة تعيد رسم سياستها بعد سقوط الأسد
الطلب السوري يأتي بعد تغير جذري في المشهد السياسي السوري، حيث أُطيح ببشار الأسد في ديسمبر 2024، وتولى أحمد الشرع رئاسة الحكومة السورية المؤقتة. وقد اتجهت تركيا، التي كانت من أبرز داعمي المعارضة المسلحة ضد نظام الأسد، إلى تبني مقاربة أكثر انخراطًا وتعاونًا مع الحكومة الجديدة.
وتأتي هذه الخطوة في سياق تحركات تركية نشطة لتعزيز الاستقرار الإقليمي، وبالتنسيق مع قوى إقليمية ودولية، خصوصًا بعد الهجمات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت جنوب سوريا، وأعادت الزخم الدبلوماسي إلى الملف السوري، وصولًا إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته واشنطن وبدعم مباشر من أنقرة وعمّان.
الموقف الأمريكي: لا اعتراض على الاتفاقات الثنائية
في تعليقه على احتمال توقيع اتفاق دفاعي رسمي بين أنقرة ودمشق، صرّح السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث إلى سوريا توم باراك لوكالة أسوشيتد برس، يوم الإثنين، بأن الولايات المتحدة لا تتخذ موقفًا من هذه المسألة.
وقال باراك: “ليست من مصلحة الولايات المتحدة أن تملي على دول الجوار كيف تتعامل مع بعضها. نحن لسنا طرفًا مباشرًا في هذه الترتيبات.”
تصريح باراك يُشير إلى تخفيف واضح في الممانعة الأمريكية تجاه انخراط تركي مباشر في الملف السوري، ما يفسح المجال أمام تفاهمات إقليمية جديدة.
ملف “قسد”: تركيا تضغط لتطبيق اتفاق الإدماج الكامل في الجيش السوري
في سياق متصل، تناول مسؤولو وزارة الدفاع التركية ملف الاتفاق الموقع في 10 مارس 2025 بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والرئاسة السورية المؤقتة، والذي نصّ على إدماج كافة الوحدات العسكرية والإدارية التابعة لـ”قسد” ضمن الجيش السوري ومؤسسات الدولة.
وأكدت المصادر التركية أن تنفيذ الاتفاق لا يزال بطيئًا، مشيرة إلى أن أنقرة تراقب الالتزام بالاتفاق عن كثب، وقالت: “قسد مطالبة بإثبات التزامها العملي بالاتفاق. نحن نتابع التطورات بتنسيق مباشر مع الجهات المعنية.”
وتعتبر تركيا أن “قسد” وعمودها الفقري “وحدات حماية الشعب” امتداد مباشر لحزب العمال الكردستاني المصنّف تنظيمًا إرهابيًا من قبل أنقرة وحلف شمال الأطلسي، مما يجعل هذا الملف أولوية أمنية بالنسبة لتركيا في أي عملية إعادة ترتيب للوضع السوري.
قراءة في التحول التركي: نفوذ جديد وسط فراغ إقليمي
يمثل هذا التحول في العلاقات التركية السورية مؤشرًا على إعادة تموضع تركي استراتيجي في سوريا، حيث تسعى أنقرة إلى توسيع نفوذها من خلال التعاون مع الحكومة المؤقتة، بعيدًا عن المعادلات القديمة التي كانت ترتكز على دعم المعارضة المسلحة. ويُتوقع أن تُترجم هذه الخطوة إلى تعزيز النفوذ التركي في المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية، وسط انسحاب نسبي لبعض القوى الدولية وانشغال أخرى بملفات موازية.

