أثار تصريح السفير الأمريكي في تركيا والمبعوث الخاص لسوريا، توم باراك، جدلاً واسعاً بعد أن أكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى إلى منح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “الشرعية التي يحتاجها”، في ظل اتهامات متصاعدة لأردوغان بتقويض الديمقراطية وتشديد قبضته على المعارضة.
خلفية التصريحات
جاءت تصريحات باراك خلال مشاركته في قمة Concordia بنيويورك، في ندوة بعنوان “أصوات الدبلوماسية: تشكيل دور أمريكا في العالم“. ورداً على سؤال بشأن التوترات المزمنة بين تركيا والكونغرس الأمريكي، أشار باراك إلى أن الخلافات بين الجانبين ليست جديدة، بل تمتد لسنوات، خصوصاً حول قضايا شراء أنقرة منظومة الصواريخ الروسية “إس-400″، واستبعادها من برنامج المقاتلات “إف-35″، إلى جانب الجدل المستمر حول مبيعات “إف-16” وقضية بنك “خلق” التركي المتهم بمساعدة إيران على التهرب من العقوبات الأمريكية.
وقال باراك: “لقد كنا نتعامل مع القضايا نفسها منذ عقد كامل… هل هم أصدقاء أم خصوم؟ إنهم يتعاملون مع روسيا، وهم مسلمون محافظون، ومسلمون متشددون، لم يدينوا جماعة الإخوان المسلمين، ولم يدينوا حماس. هذه الإشكالات المربكة مستمرة.”
موقف ترامب: “خطوة جريئة“
أوضح باراك أن الرئيس ترامب ضاق ذرعاً بهذا الجمود، وقرر المضي بخطوة “جريئة” عبر تجاوز التعقيدات وفتح قنوات مباشرة مع أنقرة. وأضاف: “رئيسنا يقول: لقد تعبت من كل هذا. لننتقل إلى علاقة شخصية–شخصية ونعطيهم ما يحتاجونه. ما هو ذلك؟ إنه الشرعية.”
ورأى باراك أن جوهر الأزمة لا يتعلق بالملفات العسكرية أو المصرفية فقط، بل بمكانة تركيا داخل النظام الغربي، مشيراً إلى أنها حليف أساسي في الناتو وأحد أكبر مستوردي الطائرات المقاتلة الأمريكية، لكنها جرى تهميشها لسنوات من قبل الغرب، خاصة أوروبا التي أغلقت أبواب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
توقيت حساس ولقاء مرتقب
جاءت تصريحات باراك قبل يوم واحد من القمة المرتقبة بين ترامب وأردوغان في البيت الأبيض، وهي الزيارة الأولى لأردوغان إلى واشنطن منذ عام 2019 خلال الولاية الأولى لترامب. ويُنظر إلى اللقاء على أنه اختبار جديد لشكل العلاقة بين البلدين في ظل التصعيد بين أنقرة والكونغرس الأمريكي.
انتقادات داخلية في تركيا
أثارت تصريحات السفير الأمريكي ردود فعل حادة في الداخل التركي، حيث يرى معارضون أن أردوغان يبحث عن “شرعية خارجية” لتغطية أزمة شرعيته الداخلية. كتبت غونول تول، مديرة برنامج تركيا في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، على منصة “إكس” أن تصريحات باراك تكشف حاجة أردوغان الماسة إلى الاعتراف الدولي في لحظة “يهدم فيها ما تبقى من أعمدة الديمقراطية، ويصارع اقتصاداً منهكاً، ويواجه غضباً شعبياً متزايداً”. وأضافت أن أردوغان يستخدم السياسة الخارجية بشكل متزايد “كأداة لتأمين شرعيته“.
أزمات الاقتصاد والسياسة الداخلية
تشهد تركيا منذ أعوام تراجعاً اقتصادياً عميقاً، إذ قفز التضخم إلى مستويات قياسية بلغت ذروتها في خريف عام 2022 قبل أن تعاود الانخفاض إلى مستويات مرتفعة نسبياً، فيما لا تزال البطالة وموجات الغلاء تثقل كاهل الشارع. وتُتهم الحكومة بأنها استنزفت الخزينة العامة وأدارت الاقتصاد بقرارات فردية أدت إلى إضعاف الثقة بالعملة المحلية.
على الصعيد السياسي، يواجه أردوغان اتهامات بترسيخ حكم الفرد الواحد عبر السيطرة على المؤسسات وتضييق الخناق على المعارضة. وتعرّض حزب الشعب الجمهوري المعارض لحملة قمع منذ عام تقريباً، أدت إلى توقيف أو اعتقال نحو خمسمئة من كوادره، بينهم اثنا عشر رئيس بلدية في إسطنبول.
الأزمة بلغت ذروتها مع اعتقال عمدة إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، أبرز خصوم أردوغان السياسيين، والذي يقبع في السجن بانتظار محاكمة منذ مارس الماضي، ما فجّر موجة احتجاجات اعتُبرت الأوسع منذ عقود في تركيا.

