شهدت الساحة السياسية التركية تطورًا لافتًا بعد دعوة زعيم حزب العمال الكردستاني (PKK) عبد الله أوجلان إلى إنهاء النزاع المسلح، إذ دعا التنظيم إلى عقد مؤتمر لاتخاذ قرار نهائي بشأن وقف القتال وحل نفسه، استجابةً لمبادرة أطلقها رئيس حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، وحظيت بدعم رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان.
وجاء الرد من قيادة الحزب، حيث أعلنت التزامها بالدعوة وأكدت استعدادها لتنفيذها، مشددةً في الوقت ذاته على ضرورة إطلاق سراح أوجلان كجزء من أي تسوية سياسية مستقبلية.
باكرهان: على الحكومة اتخاذ الخطوات السياسية والقانونية اللازمة
في هذا السياق، أكد تونجر باكرهان، الرئيس المشترك لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM)، أن موقف الحكومة سيكون العامل الحاسم في تحديد مستقبل هذه العملية. وقال خلال اجتماع للحزب في أنقرة إن “الدعوة قد وُجّهت، والتنظيم رد عليها، والآن يقع العبء على الحكومة لاتخاذ الخطوات السياسية والقانونية المطلوبة.”
وأضاف باكرهان “نحن أمام لحظة تاريخية تتطلب مقاربة مسؤولة، وأي محاولة لإضاعة هذه الفرصة ستنعكس سلبًا على استقرار البلاد. ليس هناك غالب أو مغلوب في هذا المشهد، بل هو مسار يمكن أن يسهم في إحلال السلام والاستقرار إذا تم التعامل معه بحكمة.”
كما أشار باكرهان إلى أن تصريح أردوغان بشأن عدم السماح بإفشال هذه المبادرة يحمل دلالة إيجابية، داعيًا الحكومة إلى الابتعاد عن الخطاب التقليدي القائم على الإنكار والمواجهة، واعتماد لغة أكثر انفتاحًا على الحل السياسي.
موقف دولت بهجلي: دعم مشروط لإنهاء النزاع
من جانبه، اعتبر زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، أن على التنظيم المسلح الاستجابة بشكل كامل ونهائي لدعوة أوجلان، مؤكدًا أن أي مماطلة أو محاولة للالتفاف عليها ستُعدّ بمثابة تهديد مباشر لأمن تركيا. وأضاف: “يجب استثمار هذه اللحظة لصالح الدولة والشعب، ولن نسمح بأي محاولة لإفشال هذا المسار.”
إعلان وقف إطلاق النار: خطوة أولى نحو التسوية؟
بعد ساعات من بيان أوجلان، أعلن حزب العمال الكردستاني وقفًا أحادي الجانب لإطلاق النار اعتبارًا من الأول من مارس، مشددًا على أن أي عملية هجومية لن تُنفذ إلا في حال التعرض لهجمات من قبل الجيش التركي. كما أكدت قيادة الحزب أن اتخاذ أي خطوة نحو الحل السلمي يتطلب الاعتراف بالبعد القانوني والسياسي للقضية الكردية، وهو ما يضع الحكومة التركية أمام اختبار حقيقي بشأن نواياها.
التحديات المقبلة: بين الواقع السياسي والضغوط الداخلية
رغم هذا التطور المهم، فإن نجاح هذه المبادرة سيعتمد على كيفية تعامل الحكومة التركية معها. فمن جهة، تواجه أنقرة ضغوطًا داخلية من الأوساط القومية الرافضة لأي حوار مع التنظيم المسلح، ومن جهة أخرى، هناك تطلعات من قبل الأكراد لإحداث تحول جذري في التعامل مع المسألة الكردية، بما يشمل إصلاحات دستورية تضمن حقوقهم السياسية والثقافية.
هل تسير تركيا نحو مرحلة جديدة؟
يأتي هذا التحول في وقت حساس سياسيًا، حيث تستعد تركيا لمرحلة إعادة تموضع داخلي وخارجي في ظل التغيرات الإقليمية، فضلًا عن تراجع النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، ما يفرض على أنقرة إعادة النظر في سياساتها تجاه القضايا الداخلية، وعلى رأسها القضية الكردية.
يبقى السؤال الأهم: هل ستتعامل الحكومة مع هذه المبادرة بجدية وتترجمها إلى خطوات ملموسة، أم ستبقى مجرد إعلان سياسي في انتظار ظروف أكثر ملاءمة؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة عن ذلك.

