تطرق رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة بهتشة شهير التركية، عبد الله آغار، في حديثه على قناة “سوزجو تي في”، إلى الوضع المعقد في سوريا، محدداً أبعاد الصراع ومتغيراته الإقليمية، مع التركيز على التهديدات التي تواجهها تركيا.
تحوّل الحرب الداخلية في سوريا إلى نمط جديد
أوضح آغار أن النزاع في سوريا لم يعد يقتصر على كونه حربًا أهلية بالمعنى التقليدي، بل أخذ شكلاً جديدًا يتسم بتشابك المصالح الإقليمية والدولية. وأشار إلى أن تركيا تواجه تحديات متباينة مع كل من إسرائيل، وإيران، والمملكة العربية السعودية، حيث تتقاطع المصالح وتتداخل الصراعات. كما لفت إلى محاولات إسرائيل الدفع نحو صدام بين تركيا وإيران، في مقابل سعي إيران لخلق توتر بين تركيا وإسرائيل.
معادلة شرق الفرات: الدور المحوري للميليشيات الكردية
أكد آغار أن وجود ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي/حزب العمال الكردستاني في شرق الفرات يمثل جوهر الأزمات المتفاقمة في المنطقة، مشددًا على أن أي حلّ يجب أن يركز على هذه النقطة تحديدًا. وأشار إلى ضرورة تكثيف الجهود ضد هذه الميليشيات، معتبراً أن “هيئة تحرير الشام” ينبغي أن تعيد توجيه استراتيجيتها نحو هذا الهدف. كما كشف عن مشروع “ممر داود” الذي تسعى إسرائيل إلى إقامته عبر هذه الميليشيات الكردية، والذي يمتد حتى السليمانية، ما يشكل تهديدًا خطيرًا على الأمن الإقليمي.
دور “هيئة تحرير الشام” بين الواقع والمأمول
كما انتقد آغار موقف “هيئة تحرير الشام”، مشيرًا إلى أن التنظيم يحاول تبني هوية محلية لكنه لم يواجه الميليشيات الكردية كما ينبغي. وأضاف أن الهيئة تبرر تجنبها لهذا الصدام بعوامل مختلفة، لكنه شدد على أن من يريد أن يكون لاعبًا مؤثرًا لا يمكنه انتقاء معاركه بشكل انتقائي. وفي هذا السياق، قال: “لقد تحدّيتم روسيا وإيران ونظام الأسد، لكنكم لا تزالون تتجنبون مواجهة الولايات المتحدة.. بهذه الطريقة لا يمكنكم بناء دولة”.
الفتنة الطائفية: أداة الصراعات بالوكالة
حذر آغار من خطورة استخدام الورقة الطائفية كأداة ضمن حروب الوكالة في المنطقة، مؤكدًا أن تركيا يجب أن تتجنب الانجرار إلى هذه الفخاخ. وأعاد للأذهان أن هناك أطرافًا تعمل على إذكاء الصراعات السنية-العلوية بهدف زعزعة الاستقرار الداخلي. وفي هذا السياق، شدد على أن التمسك بمبدأ العلمانية يُعد عاملاً جوهريًا في تعزيز وحدة المجتمع وتحصينه ضد محاولات التفكيك.
الرؤية الاستراتيجية لتركيا ودور العقل السياسي للدولة
وزعم آغار أن تركيا، بفضل عمقها الاستراتيجي وبفضل ما سماه “العقل السياسي للدولة”، تمكنت من الحفاظ على تماسكها عبر ترسيخ مبدأ العلمانية والمواطنة والانتماء الوطني بعيدًا عن الاستقطاب الطائفي. وأوضح أن القوى السياسية يجب أن تبقى متيقظة لمحاولات بعض الأطراف استخدام العمال الكردستاني كأداة لخلق توترات داخلية.
مخاطر حروب الوكالة: أبعاد متعددة
أكد آغار أن حروب الوكالة لا تقتصر على المواجهات العسكرية فحسب، بل تشمل أيضاً استخدام وسائل الإعلام والتلاعب بالرأي العام وتوظيف الأدوات الاقتصادية والسياسية لإضعاف الدول المستهدفة. وشدد على أهمية تعامل تركيا مع هذه التهديدات بحذر، محذرًا من الانسياق وراء الاستفزازات التي تهدف إلى خلق انقسامات داخلية.
الحذر والوعي أساس المواجهة
خلص آغار إلى أن انعكاسات الأزمة السورية على تركيا أمر حتمي، لكن ما يهم هو كيفية التعامل مع هذه التحديات بوعي واستراتيجية محكمة. وأكد أن تجاوز هذه المرحلة يتطلب التحلي باليقظة، وعدم الانجرار وراء الاستقطابات الإيديولوجية أو الطائفية، بل التركيز على نهج براغماتي يضمن تحقيق المصالح الوطنية بعيدًا عن الحسابات الضيقة.

