في مشهد أثار جدلاً واسعاً داخل تركيا، تحوّل لقاء عابر بين الرئيس رجب طيب أردوغان ومجموعة من المعلّمات الشابات إلى قضية رأي عام، بعدما اتّهم أردوغان إحداهنّ بالكذب وترك المكان غاضباً.
القصة بدأت أثناء زيارة أردوغان الأخيرة لمسقط رأسه في ولاية ريزة، حيث تقدّمت معلّمتان نجحتا في امتحان الكفاءة العامة للقطاع العام (KPSS) إلى مراتب متقدمة، لكنهما لم تُعيّنا رغم تفوقهما، فقرّرتا مخاطبة الرئيس مباشرة لتوضيح معاناتهما مع نظام التعيينات المغلق.
إلا أن المشهد الذي كان يُفترض أن يعكس تواصلاً إنسانياً، تحوّل إلى لحظة توتّر علني. إحدى المعلّمات، وقد غلبتها الدموع، شرحت للرئيس أن جميع الأبواب أُغلقت أمامها في أنقرة رغم محاولاتها المتكررة للوصول إلى المسؤولين. ردّ أردوغان جاء حادّاً ومفاجئاً: “أنتِ تكذبين! لا يمكن أن تُغلق أبواب حزبنا في وجه أحد”! ثم استدار مغادراً المكان دون استكمال الحوار.
تسلسل الأحداث: من ريزة إلى صمت المنصات
تُظهر المقاطع المصوّرة من الزيارة أن المعلّمتين حاولتا توضيح الأمر أكثر من مرة، حين قال لهما أردوغان: “مكاني ليس هنا، لو أتيتما إلى أنقرة لرتّبنا لقاءً مع وزير التعليم.” ردّت إحداهما: “جئنا مراراً، لكن لم يُسمح لنا بالدخول، يمكنكم سؤال الحارس محسن، لقد رآنا أكثر من مرة.” فسأل أردوغان باستغراب: “محسن من؟” فأجابته الشابة: “حارسكم الشخصي.”
ثم أضافت باكية: “كل الأبواب أُغلقت في وجوهنا، نرجوكم فقط أن تنظروا في قضيتنا.”
لكن الرئيس، وقد بدا عليه الغضب، أنهى الحوار قائلاً: “كفى، أنتِ تتحدثين بغير صدق.”
تدخّل أحد عناصر الحماية في تلك اللحظة، حاملاً ملفاً أزرق اللون وقال للمعلّمتين: “أليس هذا ملفكما؟” فأكدتا أنه بالفعل ملفهما، لكن الحوار انتهى سريعاً بعد أن غادر أردوغان المكان متوجهاً إلى سيارته وسط محاولات فاشلة من المعلّمتين لمواصلة الحديث، إحداهنّ صاحت من بعيد: “نريد تعييناً إضافياً، نريد حقنا!” لكن النداء لم يجد صدى.
ردود الأفعال: بين التضامن والإنكار
بعد انتشار الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي، خرجت إحدى المعلّمات المشاركات لتوضيح ما جرى بالتفصيل، مشيرة إلى أنهنّ لم يُفهمن خطأ كما زُعم، بل أكّدن للرئيس صدق معاناتهنّ.
وقالت في بيانها المصوّر إنّ أردوغان أوعز لاحقاً إلى رئيس حزب العدالة والتنمية في ريزة، يلماز كاتمر، بالاهتمام بالقضية، وأنه تم إعداد تقرير خاص حول وضعهنّ، لكنها أضافت بمرارة:
“في النهاية أدركنا أننا لم نُفهم خطأ، بل لم نُفهم أبداً.”
لاحقاً، وبعد ساعات قليلة من نشرها للفيديو والتعليق، لوحظ أنّ حسابها على منصة “إكس” (تويتر سابقاً) قد أُغلق، ما أثار موجة جديدة من التساؤلات حول الضغوط التي تتعرّض لها الأصوات المنتقدة حتى لو كانت تعبر عن مطالب مهنية بحتة.
خلفيات الأزمة: التعليم.. بين الأرقام والسياسة
يرى مراقبون أن قضية المعلّمات لم تكن حادثة معزولة، بل تعكس أزمة أوسع تتعلق بملف “المعلّمين غير المعيّنين”، وهي من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية في تركيا منذ سنوات. آلاف الخريجين يجتازون امتحانات الكفاءة بدرجات مرتفعة، لكنهم يظلون خارج قوائم التعيين بسبب محدودية الحصص أو الأولويات السياسية في توزيع الوظائف.
وفي حين تكرّر الحكومة وعدها بزيادة “التعيينات الاستثنائية”، يرى منتقدون أنّ المشكلة ليست في الأرقام فقط، بل في البنية المركزية لقرارات التوظيف التي تُدار من أنقرة بآليات غير شفافة.
يُذكَر أن وزير البيئة والتخطيط العمراني، مراد قوروم، واجه موقفاً مشابهاً عندما تقدّمت إليه معلّمة غير معيّنة تطلب لقاء الرئيس، فاكتفى بالقول: “سنسجل الملاحظة.”
تلك الحادثة، إلى جانب واقعة ريزة، ترسم صورة متكرّرة عن المسافة المتزايدة بين السلطة التنفيذية والمواطنين في قضايا المعيشة والعدالة الاجتماعية، وفق تقرير نشره موقع “بولد” الإخباري التركي.

