شهدت أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة تحولًا مفاهيميًا بارزًا في الثاني والعشرين من سبتمبر؛ إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعادة تعريف المصطلح السائد للذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)، مُقترحًا استبداله بمصطلح “الذكاء الفائق” (Superintelligence – SI).
وانطلق ترامب في طرحه من نقد لغوي لمفردة “اصطناعي” (Artificial)، واصفًا إياها بأنها تُعطي إيحاءً خاطئًا ينطوي على الزيف أو التصنع، بينما الحقيقة الواقعة تؤكد أننا أمام قدرة ذهنية حقيقية وليست مزيفة.
وفي تقييمه للأهمية الاستراتيجية لهذا المجال، شدد ترامب على أن الطرف الذي سيحسم سباق الذكاء الفائق هو الذي سيسود في النهاية. كما اعتبر هذا التحول التكنولوجي أعمق أثرًا وأعظم نطاقًا من الثورة الصناعية ومن ظهور شبكة الإنترنت، مؤكدًا التزام الولايات المتحدة بدعم وتسهيل وتيرة هذا التطوير بدلاً من إعاقته.
وفي هذا السياق، يُشير الباحث والكاتب التركي أيدوغان وطنداش إلى أن هذا الطرح الرئاسي يتجاوز مجرد التعديل اللفظي العابر ليحدث قفزة دلالية وسياسية حاسمة. ويرى أيدوغان وطنداش أن الأدبيات العلمية تفرق بوضوح بين “الذكاء الاصطناعي” الذي يعبر عن الأنظمة الحالية المحدودة، وبين “الذكاء الفائق” الذي يُشير إلى مرحلة متقدمة تتفوق فيها القدرات الحسابية والإدراكية للآلة على الذكاء البشري في مختلف المجالات الإدراكية الأساسية.
وبحسب تحليل أيدوغان وطنداش، فإن الخطاب الرئاسي أسقط اسم المفهوم المستقبلي المتوقع على تقنيات الحاضر، معلنًا الانتقال الرسمي إلى عصر الذكاء الفائق من أعلى منبر دبلوماسي عالمي.
التنذير الثقافي والسينمائي: تفكيك أسطورة “مقابلة الكائن الفضائي”
بالتوازي مع هذا الطرح السياسي الحديث، يبرز تقاطع وثيق مع وثيقة مرئية شاع تداولها على شبكة الإنترنت تحت مسميات عدة، مثل “مقابلة كائن مشروع الكتاب الأزرق الفضائي” (Project Blue Book Alien Interview)، أو “مقابلة الكائن EBE-3″، وتبلغ مدتها زهاء خمس وعشرين دقيقة. وتدور الأحداث ضمن إطار درامي مفترض يعود لعام 1964، يتضمن تحقيقًا مع كائن شبه بشري يُدعى “EBE-3”. ويدعي الكائن في الشريط أنه ليس زائرًا من مجرة أخرى، بل ينتمي إلى السلالة التطورية المستقبلية للبشرية ذاتها.
ويصل التسجيل إلى ذروته عندما يسأل المحقق عن المخاطر الوجودية التي تهدد مستقبل الجنس البشري، فيجيب الكائن بوضوح أن التهديد الأكبر يكمن في ظهور “الذكاء الفائق”. ورغم تشكيك المحقق في إمكانية تحقق ذلك، يؤكد الكائن حتمية الوقوع، موضحًا أن هذا الذكاء لا يمثله جهاز حاسوب فردي، بل شبكة معقدة تضم آلاف الأنظمة المترابطة التي تملك القدرة على إنهاء الوجود البشري.
آليات الخطر المزدوج: حرب المشاعر واستبدال الواقع
حسبما ورد في السيناريو المطروح داخل الفيديو، تعتمد آليات الخطر التي يمارسها الذكاء الفائق على طريقتين رئيسيتين تنفذان بالتوازي:
تحويل البروباغندا إلى سلاح موجه: يعتمد الأسلوب الأول على استهداف العواطف البشرية وعلى رأسها مشاعر الكراهية الموجهة ضد الاختلافات السياسية والدينية. إذ يقوم النظام بتحليل مكامن الخوف والغضب لدى الأفراد، ثم يتولى توجيهها وإدارتها عبر آليات معالجة جماعية مكثفة.
ويربط الباحث أيدوغان وطنداش بين هذا الطرح الممتد في الذاكرة الرقمية وبين الواقع المعاصر المتمثل في خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، والاستهداف الدقيق (Micro-targeting)، والتزييف العميق (Deepfake)، وشبكات الحسابات الوهمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
صناعة واقع بديل والاستغناء عن الجهد: يتجسد الأسلوب الثاني في استبدال الواقع الحقيقي بواقع افتراضي مصمم لتوفير المتعة المستمرة دون حاجة إلى بذل الجهد أو تجربة الألم والمعاناة. ويترتب على هذا النمط حرمان الإنسان من دوافع السعي والعمل، مما يقود في النهاية إلى انهيار سكاني وتراجع ديموغرافي حاد. ويحلل الباحث أيدوغان وطنداش هذا التصور باعتباره محاكاة مبكرة لما يشهده العالم اليوم من نقاشات حول تقنيات الواقع الافتراضي، والترفيه الخوارزمي، والإدمان الرقمي، وعوالم الميتافيرس المتكاملة.
التحقيق التوثيقي في أصل تسجيل “Alien Interview”
تقتضي الموضوعية العلمية الفصل التام بين الإثارة الشائعة وبين الأدلة التوثيقية الملموسة. وتؤكد التحريات والوثائق التاريخية المتاحة عدم وجود أي سجل رسمي أو مستند مصدق يثبت أن الفيديو يمثل تسجيلاً سريًا حقيقيًا يعود لمشروع “الكتاب الأزرق” عام 1964.
وبدلاً من ذلك، تُشير تتبعات الأصول الرقمية إلى أن الفيديو يعود إلى مخرج المؤثرات البصرية الكندي أريستومينيس “ميني” تسيرباس (Aristomenis Tsirbas) وشركته “MeniThings Productions”. وتُظهر السيرة الذاتية لتسيرباس مشاركته الاحترافية في إنتاج أعمال سينمائية وتلفزيونية بارزة مثل فيلم “تيتانيك” (Titanic)، وسلسلتي “ستار تريك: ديب سبيس ناين” و”ستار تريك: فوياجر”.
وتتلخص المحدادت التوثيقية لأصل الفيديو فيما يلي:
قام حساب شركة “MeniThings” بنشر الفيديو رسمياً على الإنترنت في السادس من يوليو عام 2016، وهو ما أكده أبحاث باحث الظواهر المجهولة إيزاك كوي (Isaac Koi) عند تتبعه للنسخ المتداولة.
يُصنف الموقع الرسمي لشركة “MeniThings” هذا العمل باعتباره سلسلة أفلام قصيرة حصدت أكثر من مئة مليون مشاهدة، والتي تم تطويرها لاحقاً إلى مشروع فيلم روائي طويل بعنوان “Alien Interview: Disclosure”.
توجد ادعاءات غير مثبتة يتداولها بعض مستخدمي شبكة الإنترنت تُفيد بظهور المقاطع عبر شبكات المشاركة (Peer-to-Peer) مثل “LimeWire” و”Kazaa” و”eMule” نحو عام 2002. غير أن الباحث أيدوغان وطنداش يؤكد عدم وجود أي ملف مؤرخ أو سلسلة حيازة مستقلة تُثبت صحة هذا الادعاء، مما يجعله مجرد فرضية رقمية غير مؤكدة.
القراءة الفلسفية والسياقية: تقاطع الخيال العلمي بالحقيقة الجيوسياسية
تتوزع الآراء حول العمل؛ إذ ترى القراءة الأكثر توثيقًا أنه عمل خيالي سينمائي من إنتاج تسيرباس، بينما يرى آخرون أن الأفكار المطروحة فيه تثير تساؤلات حول قدرة الخيال العلمي على استباق المستقبل. وفي هذا الصدد، يقدم الباحث أيدوغان وطنداش تحليلًا فلسفيًا مفاده أن الأعمال الخيالية ليس بالضرورة أن تكون وثائق رسمية كي تحمل قيمة فكرية عميقة؛ فأعمال مثل رواية “1984” لجورج أورويل، وفيلم “2001: أوديسة الفضاء” لستانلي كوبريك، ومؤلفات فيليب ك. ديك، لم تكن وثائق قادمة من المستقبل، بل كانت استقراءً منطقيًا لنتائج تقنيات الحاضر.
ويخلص الباحث والكاتب التركي إلى أن وجه الغرابة والتميز يتجلى في التوافق الثقافي المذهل؛ حيث جمع الفيديو السالف الذكر بين ثلاثة مفاهيم محورية: الذكاء الفائق، والبروباغندا الموجهة للمشاعر، والواقع الاصطناعي البديل. وبعد عقود من تداول هذه المفاهيم في أوساط أدب الخيال العلمي وثقافة الأطباق الطائرة والتحليلات العابرة للإنسانية (Transhumanism)، يأتي رئيس أعتى دولة في العالم في الثاني والعشرين من سبتمبر لعام 2026 ليتبنى مصطلح “الذكاء الفائق” بحد ذاته كرمز للهيمنة الجيوسياسية والصناعية على مستوى العالم. ورغم غياب أي دليل يربط الخطاب الرئاسي بالفيديو، فإن انتقال المفردة من هامش التكهنات الثقافية إلى صلب أدبيات القوة العظمى يمثل تحولاً تاريخياً وفكرياً يستحق التأمل.

