عاد الجدل مجدداً في أنقرة حول مدى التزام تركيا بقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، بعد تصريحات أدلى بها وزير العدل يلماز تونج، اعتبر فيها أن “الحديث عن عدم التزام تركيا بأحكام المحكمة الأوروبية يمثل تعميماً مضللاً”، مؤكداً أن بلاده تلتزم بنسبة تفوق المعدل الأوروبي العام. إلا أن هذه التصريحات فجّرت موجة من الانتقادات، كان أبرزها من النائب المستقل عن إسطنبول مصطفى ينار أوغلو، الذي اتهم الوزير بتقديم معلومات “مضللة” تخفي حقيقة التراجع الكبير في تنفيذ الأحكام الصادرة ضد تركيا.
خلفية الجدل: تصريحات الوزير ومحاولة رسم صورة إيجابية
في حديثه الأخير، أكد وزير العدل التركي أن جميع الدول الأعضاء في مجلس أوروبا لديها قرارات صادرة عن المحكمة لم تُنفذ بعد، مشيراً إلى أن معدل الالتزام الأوروبي يبلغ نحو تسعة وسبعين في المئة، بينما تتجاوز نسبة تركيا واحداً وتسعين في المئة.
الوزير قدّم هذه النسبة باعتبارها دليلاً على “احترام تركيا لالتزاماتها القانونية الدولية”، نافياً أن تكون بلاده ضمن قائمة الدول التي تتجاهل تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية.
غير أن هذه التصريحات، التي بدت محاولة لتجميل الصورة القانونية لأنقرة، لاقت اعتراضاً واسعاً، خصوصاً في الأوساط الحقوقية والسياسية التي تتهم الحكومة بتسييس ملفات القضاء وبالتقاعس عن تنفيذ العديد من الأحكام البارزة الصادرة عن المحكمة، لا سيما تلك المتعلقة بسجناء سياسيين وصحفيين معارضين.
ردّ ينار أوغلو: “الوزير يضلّل الرأي العام”
النائب المستقل مصطفى ينار أوغلو، المعروف بمواقفه المدافعة عن سيادة القانون، اتهم وزير العدل بممارسة “تضليل ممنهج” فيما يخص الأرقام المتعلقة بتنفيذ قرارات المحكمة الأوروبية.
وأشار في بيان مطوّل نشره عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى أن البيانات الرسمية المتاحة على موقع مجلس أوروبا تُظهر أرقاماً مختلفة تماماً عن تلك التي أعلنها الوزير، موضحاً أن تركيا لم تنفذ حتى الآن مئات الأحكام النهائية الصادرة ضدها.
وأوضح ينار أوغلو أن الوزير استند إلى معدلات غير دقيقة، إذ إن نسبة الالتزام الأوروبية العامة تبلغ نحو خمسة وثمانين في المئة وليس تسعة وسبعين كما ورد في تصريحه، مشدداً على أن هذه النسبة تتأثر سلباً بسبب دول مثل روسيا وأذربيجان وألبانيا وجورجيا، التي تخفّض المتوسط العام بسبب تدني معدلات التنفيذ فيها إلى ما دون النصف.
456 حكماً لم تُنفذ بعد: مقارنة تكشف الفارق الحقيقي
بحسب المعطيات التي استند إليها ينارأوغلو، فإن تركيا لم تنفذ حتى الآن أربعمئة وستة وخمسين حكماً صادراً عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وهي حصيلة مرتفعة مقارنة بدول أوروبية قريبة من تركيا من حيث نسبة الالتزام المعلنة. فبلجيكا، التي تبلغ نسبة تنفيذها واحداً وتسعين في المئة، لم تنفذ سوى سبعةٍ وعشرين حكماً فقط، بينما لم تنفذ لاتفيا، بنسبة التزام تبلغ اثنين وتسعين في المئة، سوى اثني عشر حكماً.
النائب التركي تساءل بلهجة نقدية: “مع من نقارن أنفسنا؟ مع روسيا التي لا تتجاوز نسبة تنفيذها اثنين وثلاثين في المئة؟ أم مع أذربيجان التي تبلغ نسبتها أربعة وثلاثين؟ أم مع جورجيا ذات الستين في المئة؟”
وأضاف أن المقارنة العادلة يجب أن تكون مع الدول التي تكرّس سيادة القانون، مثل السويد التي تبلغ نسبة تنفيذها تسعةً وتسعين في المئة بملف واحد فقط غير منفذ، وألمانيا التي لم تُنفذ سوى عشرة أحكام بنسبة التزام تبلغ ستةً وتسعين في المئة، وهولندا وسلوفينيا اللتين تقتربان أيضاً من المعدلات الكاملة في احترام أحكام المحكمة.
رسالة سياسية بين السطور: العدالة والواقع الحقوقي
ينار أوغلو لم يكتف بتفنيد الأرقام، بل اتهم الوزير بمحاولة “طلاء الواقع الحقوقي بألوان زاهية”، قائلاً إن الحكومة تسعى لتقديم صورة وردية عن وضع حقوق الإنسان في البلاد بينما الواقع يشير إلى تدهور خطير في استقلال القضاء وتنفيذ الأحكام.
وأضاف أن على الحكومة أن تكف عن “التحايل بالأرقام والمصطلحات”، وأن تواجه حقيقة ابتعادها المتزايد عن معايير سيادة القانون، داعياً إلى البدء الفوري بتنفيذ جميع الأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية والبالغ عددها مئات القضايا العالقة.
السياق العام: تراكم القضايا وتراجع الثقة الأوروبية
تأتي هذه السجالات في وقت تتزايد فيه الانتقادات الدولية لتركيا بسبب ملفات حساسة تتعلق بالحريات العامة، وعلى رأسها قضيتي السياسي الكردي صلاح الدين دميرتاش ورجل الأعمال عثمان كافالا، اللتين صدرت بشأنهما أحكام ملزمة من المحكمة الأوروبية ولم تُنفذ حتى اليوم. وقد أدى هذا الوضع إلى تصاعد التوتر بين أنقرة ومجلس أوروبا، الذي لوّح أكثر من مرة باتخاذ إجراءات تأديبية ضد تركيا لعدم التزامها بتنفيذ قرارات المحكمة الملزمة قانوناً لجميع الدول الأعضاء في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

