تكشف وثائق رسمية حديثة عن مسار معقّد مكّن عددًا من عناصر تنظيم داعش من الانتقال من ساحات القتال في سورية ومناطق صراع أخرى إلى الإقامة القانونية داخل تركيا، وصولًا إلى الحصول على الجنسية أو وثائق تعريف رسمية. هذه المعطيات تسلط، وفق مراقبين، الضوء على فجوات خطيرة في منظومة المتابعة الأمنية والهجرة، في وقت تؤكد فيه السلطات استمرار حملتها ضد التنظيم.
الوثائق التي نشرها موقع “قيصة دالغا” (Kısa Dalga) تُظهر أن واحدًا وعشرين عنصرًا من التنظيم كانوا قد تواجدوا في مناطق نزاع، نجحوا في استخراج وثائق هوية عبر دوائر الهجرة في عدد من الولايات التركية، بينما مُنح ثلاثة منهم الجنسية التركية لاحقًا، مع شمول قرارات التجنيس زوجاتهم وأطفالهم.
التعرّف على العناصر: أدلة بصرية وتحقيقات تقنية
بحسب ملفات التحقيق، جرى تحديد هوية هؤلاء العناصر عبر فحوص تقنية دقيقة أجرتها وحدات مكافحة الإرهاب خلال عامي 2023 و2024، اعتمدت على تحليل تسجيلات دعائية وصور التُقطت في مناطق خاضعة لسيطرة التنظيم سابقًا.
وقد أُدرجت نتائج هذه التحليلات ضمن ملفات تحقيق أعدتها نيابات عامة في ولايات متعددة، شملت العاصمة أنقرة ومدنًا في وسط وغرب وجنوب البلاد، ما يعكس اتساع النطاق الجغرافي للقضية.
الإقامة القانونية والعمل النظامي لعناصر متورطة
تبيّن السجلات أن تسعة عشر عنصرًا من التنظيم عاشوا داخل تركيا باستخدام أرقام هوية أجنبية، في إطار الحماية المؤقتة أو الحماية الدولية. بعض هؤلاء لم يكتفِ بالإقامة فقط، بل اندمج في سوق العمل بشكل رسمي، حيث عمل في وظائف مؤمّنة ومسجلة لدى المؤسسات الرسمية، ما يثير تساؤلات حول آليات التدقيق والمتابعة.
التحقيقات تشير إلى أن معظم هؤلاء دخلوا تركيا في مرحلة تفكك التنظيم، إلا أن الأدلة أثبتت مشاركتهم الفعلية في أنشطته المسلحة داخل سورية ومناطق أخرى.
مواد دعائية دموية ورسائل تهديد
الوثائق تفصّل أيضًا طبيعة المواد الدعائية التي خضعت للفحص، والتي تضمنت مشاهد لمقاتلين مسلحين، وتجهيز عمليات انتحارية، وانفجارات، وإعدامات ميدانية، واستخدام الأطفال في المحتوى الدعائي.
كما احتوت بعض التسجيلات على خطابات عدائية استهدفت الرئيس رجب طيب أردوغان وقوات الأمن التركية، إضافة إلى مبايعات علنية للتنظيم ورسائل تمجيد لقياداته التي قُتلت.
حالات تجنيس مثيرة للجدل
تُظهر الملفات أن ثلاثة عناصر حصلوا على الجنسية التركية رغم ارتباطهم المباشر بالتنظيم:
أحدهم مواطن يمني وُلد في السعودية، دخل تركيا وحصل على هوية أجنبية تحت الحماية المؤقتة، ثم نال الجنسية خلال أشهر قليلة مع أسرته. لاحقًا، عُثر على صور له مع مقاتلي التنظيم في مدينة الرقة، وأوقف بتهمة الانتماء لتنظيم إرهابي، ولا تزال قضيته منظورة أمام القضاء.
الحالة الثانية تعود لشخص وُلد في سورية ويحمل الجنسية السعودية، حصل على هوية أجنبية ثم الجنسية التركية مع زوجته وأطفاله، قبل أن تُثبت التحقيقات ظهوره في تسجيلات وصور دعائية للتنظيم، ليُعتقل لاحقًا وتُحال قضيته إلى مرحلة الاستئناف.
أما الحالة الثالثة فتتعلق بشخص حصل على هوية أجنبية منذ وقت مبكر، ثم مُنح الجنسية مع أسرته. عمل في شركة خاصة كمطوّر برمجيات مسجّل رسميًا، واستخدم على مدار سنوات عدة أرقام هاتفية بأسماء مختلفة. التحقيقات كشفت مشاركته في اجتماعات للتنظيم في الرقة، حيث جرت مراسم المبايعة.
طلاب وعاملون ضمن دائرة الاشتباه
من بين الأسماء الواردة في التحقيقات، شخص يمني الجنسية كان يقيم في تركيا بتصريح إقامة، ويدرس الهندسة الكهربائية والإلكترونية في إحدى الجامعات الخاصة بإسطنبول، كما كان يعمل فيها بشكل رسمي. الوثائق تشير إلى ظهوره في مواد دعائية للتنظيم، ووجوده مع عناصره في مناطق خاضعة لسيطرته، دون تحديد دقيق لتاريخ دخوله البلاد.
سياق أمني متوتر وحملات متواصلة
تأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه السلطات التركية عمليات واسعة ضد خلايا التنظيم، عقب هجمات دامية ومواجهات مسلحة، كان آخرها حملة شاملة أُطلقت بعد مقتل ثلاثة من رجال الشرطة خلال مداهمة في ولاية يالوفا، أسفرت عن مقتل عدد من المشتبه بانتمائهم للتنظيم.
تركيا، التي تمتد حدودها مع سورية لنحو تسعمئة كيلومتر، تعرضت على مدى سنوات لسلسلة هجمات نفذها التنظيم، من أبرزها هجوم إسطنبول مطلع عام 2017 الذي أودى بحياة عشرات المدنيين.
جدل سياسي ومسؤوليات معلّقة
في مقابل الرواية الرسمية التي تؤكد تصنيف التنظيم كمنظمة إرهابية وتشدد الإجراءات الأمنية، تواصل قوى معارضة توجيه اتهامات للحكومة بالتقصير في منع تسلل عناصر التنظيم أو التحقيق الكافي في وجودهم داخل البلاد. وترد السلطات على ذلك بنفي أي حماية للجماعات المتطرفة، مؤكدة تكثيف جهود مكافحة الإرهاب.
خلاصة
تكشف الوثائق عن مسار مقلق سمح لعناصر من تنظيم الدولة بالانتقال من ساحات القتال إلى الإقامة القانونية والعمل، بل والحصول على الجنسية داخل تركيا. القضية تطرح أسئلة جوهرية حول منظومات التدقيق والهجرة، وتضع ملف مكافحة الإرهاب أمام اختبار جديد.

