تتجه تركيا إلى محطة سياسية شديدة الحساسية مع مصادقة لجنة برلمانية على زيارة زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في سجنه بجزيرة إمرالي، وسط انقسام حاد بين القوى السياسية، ولا سيما مع رفض حزب الشعب الجمهوري المشاركة في الوفد أو حتى الوجود خلال التصويت.
يأتي ذلك في لحظة دقيقة يتقاطع فيها الحديث عن “سلام محتمل” مع تعقيدات المشهد الداخلي ومعادلات القوة بين الأحزاب.
لجنة السلام البرلمانية تتخذ قرارها… والاعتراض الأكبر من المعارضة الرئيسية
صادقت لجنة التضامن الوطني والأخوّة والديمقراطية في البرلمان التركي على إرسال وفد إلى جزيرة إمرالي للقاء أوجلان، بعد نقاشات حادة استمرت منذ أيام حول جدوى الزيارة وتوقيتها، خصوصًا بعد إعلان حزب العمال الكردستاني في مايو قراره التاريخي بإلقاء السلاح وحلّ تنظيمه المسلح.
أجريت المناقشة في اجتماع اللجنة الثامن عشر، الذي عُدّ الأكثر حساسية منذ بدء عملها في أغسطس لإعداد إطار قانوني يمهّد الانتقال من مرحلة الصراع المسلح إلى مسار سياسي تفاوضي. أُغلقت الجلسة لاحقًا أمام الإعلام، ليُطرح الاقتراح للتصويت ويحصد أغلبية واضحة بدعم معظم الكتل، بينما امتنع نواب حزب الشعب الجمهوري عن المشاركة.
انسحاب حزب الشعب الجمهوري… ورفض قاطع لأي تمثيل في الوفد
شهدت الجلسة توتراً شديداً إثر اقتراح رئيس البرلمان عقد الاجتماع خلف الأبواب المغلقة، وهو ما دفع حزب الشعب الجمهوري إلى الاعتراض وسحب أعضائه من القاعة.
قال نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب، مراد أمير، إن “السياسة لا تُدار بالأمر الواقع”، مؤكداً رفض الحزب إرسال أي ممثل عنه إلى إمرالي أو أن يُختزل عمل اللجنة في “زيارة رمزية”.
وأضاف أمير أن التواصل بين الدولة وأوجلان قائم بالفعل عبر القنوات الرسمية، واقترح استخدام نظام الاتصالات المرئية كبديل أقل حساسية من إرسال وفد محدود إلى الجزيرة. كما أعلن أن نواب الحزب لن يشاركوا في الجزء المغلق من الاجتماع.
أغلبية مريحة: تحالف الحكومة والأطراف القومية والكردية يمهّد الطريق
تتألف اللجنة من واحد وخمسين عضواً من أحزاب متعددة، يتصدرها حزب العدالة والتنمية الحاكم باثنين وعشرين عضواً، إضافة إلى تمثيل لحزب الشعب الجمهوري، وحزب الشعوب الديمقراطية، وحزب الحركة القومية، وتكتلات أصغر.
قبل التصويت، أكد رئيس الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، عبد الله غولر، أن الزيارة “تُنظر إليها بإيجابية” وأن الغرض منها “تقصّي الحقائق”. كما أعلن دعم الحزب للاقتراح.
من جانبه، واصل زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، الضغط باتجاه التواصل مع أوجلان مباشرة، ملوّحاً بأنه مستعد للذهاب بنفسه إلى إمرالي إذا لم تتحرك اللجنة. الرئيس رجب طيب أردوغان وصف موقف بهجلي بأنه “شجاع ويمتلك رؤية”، داعماً إحالة القرار إلى اللجنة.
أما حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، فقد أيد الزيارة بقوة، واعتبر أن المعارضة الرئيسية يجب أن تكون “في مقدمة الساعين إلى السلام”. ومن المتوقع أن تمثله خلال الزيارة نائبته غلستان كيليج كوتشيييت.
وبموجب اللوائح، ستُتاح زيارة وفد مكوّن من أربعة أعضاء إلى إمرالي بالتنسيق مع وزارة العدل، من دون تحديد موعد نهائي حتى الآن.
جدل متصاعد: بين من يرى خطوة “رمزية” وآخرين يصفونها بـ“المفتاح السياسي”
ينقسم المشهد التركي بين اتجاهين: يرى المنتقدون أن التركيز على زيارة أوجلان قد يُحجّم عمل اللجنة ويختزله في مشهد رمزي لا يغيّر شيئاً في جوهر السياسات المطلوبة لإنهاء الصراع.
في المقابل، يؤكد مؤيدو الزيارة أنّ “الاستماع إلى أوجلان مباشرة” ضرورة لفهم اتجاهات المرحلة المقبلة، خصوصاً بعد دعوته في فبراير إلى تخلي حزب العمال الكردستاني عن السلاح، وهي الدعوة التي استجاب لها التنظيم لاحقاً.
الأحزاب القومية خارج اللجنة – وعلى رأسها حزب “الخير” – هاجمت الخطوة بشدّة، إذ دعا زعيمه مساوات درويش أوغلو الرئيس أردوغان إلى “إغلاق ملف إمرالي”، منتقداً رهن قضايا الدولة المصيرية بـ“تحالفات برلمانية متغيرة”.
الخلفية والسياق: من اعتقال 1999 إلى محاولة سلام جديدة
منذ اعتقال أوجلان عام 1999، تلاحقت محاولات متقطعة لإنهاء النزاع المسلح الذي بدأ في 1984 وأسفر عن أكثر من أربعين ألف قتيل.
انهارت آخر جولات الحوار في 2015 بعد تصاعد العنف، قبل أن يفاجئ بهجلي المشهد في أكتوبر 2024 بمبادرة سلام مشروطة برفض العنف، وهو المقترح الذي لقي دعماً من الرئيس أردوغان.
ثم جاءت خطوة فبراير 2025 أوائل العام الحالي لتعيد الحديث الجدي عن فتح مسار سياسي، بعدما دعا أوجلان المنظمة المسلحة إلى وقف العمل العسكري نهائياً.

