تواصل تركيا تصدرها لقائمة الدول الأوروبية من حيث عدد الشكاوى المعلّقة أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECtHR)، إذ بلغ عدد القضايا غير المحسومة حتى تاريخ 31 مايو21,200 قضية، وهو ما يمثل35.2% من إجمالي القضايا المعروضة أمام المحكمة، وفقاً لإحصائيات حديثة نقلها “مركز ستوكهولم للحريات“.
وتلي تركيا في القائمة كلٌّ من روسيا بـ7,900 قضية وأوكرانيا بـ7,500 قضية، مما يسلّط الضوء على حجم الأزمة الحقوقية والقضائية المتفاقمة في تركيا خلال السنوات الأخيرة.
الانقلاب الفاشل كمنعطف قمعي: آلاف الشكاوى في أعقابه
الارتفاع الحاد في عدد الشكاوى المقدّمة ضد تركيا يعود بشكل رئيسي إلى ما أعقب محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في 15 يوليو 2016، حيث شنت السلطات حملة اعتقالات واحتجازات احترازية واسعة ضد عشرات الآلاف من المواطنين، بتهمة الانتماء إلى ما تصفه الحكومة بـ”تنظيم إرهابي” في إشارة إلى حركة الخدمة التي تستلهم فكر الراحل فتح الله كولن.
بدأت ملاحقة أتباع حركة الخدمة فعلياً في أعقاب فضيحة الفساد في ديسمبر 2013، والتي طالت أفرادا من عائلة رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان والمقربين منه. ومنذ ذلك الحين، أعلنت الحكومة الحرب المفتوحة على الحركة، واعتبرتها رسمياً “تنظيماً إرهابياً” في مايو 2016.
رغم نفي الحركة لأي صلة بمحاولة الانقلاب أو أنشطة إرهابية، فقد استخدمت السلطات هذه المزاعم ذريعة لتفكيك المؤسسات التعليمية والخيرية والاقتصادية التابعة لها وملاحقة أعضائها.
قرارات المحكمة الأوروبية: 3,182 انتهاكاً لحقوق الإنسان
في هذا السياق، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أحكاماً ضد تركيا في64 ملفاً مرتبطاً بانتهاكات ما بعد الانقلاب، وأقرت بأن أنقرة انتهكت حقوق3,182 شخصاً، وألزمتها بدفع تعويضات مالية بلغت12,563,538 يورو كأضرار غير مادية وتكاليف قضائية.
ورغم هذه الأحكام الملزمة، تواصل الحكومة التركية تجاهل قرارات المحكمة، وتُبقي على نهجها القمعي ضد المشتبه بهم بعلاقاتهم مع الحركة أو غيره من المعارضين السياسيين.
التدهور المنهجي في استقلال القضاء التركي
يرى مراقبون دوليون أن الجهاز القضائي التركي تعرض لما وصفوه بـ”أضرار لا رجعة فيها” في عهد حزب العدالة والتنمية، مما قوّض ثقة المواطنين في استقلال القضاء.
ووفقًا لـ”مؤشر سيادة القانون العالمي”، تحتل تركيا المرتبة 117 من أصل 142 دولة، وهي مرتبة متدنية تجعلها في موقع مماثل لدول مثل أنغولا، والنيجر وغواتيمالا، ما يعكس حالة التراجع الحاد في التوازن بين السلطات واستقلال المؤسسات.
قضايا معاصرة تؤكد فقدان الثقة
تعمقت أزمة الثقة في النظام القضائي التركي أكثر بعد اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في مارس الماضي، على خلفية اتهامات بالفساد تعتبرها المعارضة ذات طابع سياسي وانتقامي.
ترافقت هذه القضية مع موجة احتجاجات كبيرة في البلاد، وأسهمت في إظهار هشاشة النظام القضائي أمام الضغوط السياسية.
كما أن استمرار ارتفاع عدد الشكاوى لدى المحكمة الأوروبية، وتجاهل أنقرة لأحكامها، يعكس أزمة بنيوية في العلاقة بين الدولة التركية والتزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان.

