لحظة مفصلية في تاريخ الحركة الكردية المسلحة
في إعلان وُصف بالتاريخي، أعلن حزب العمال الكردستاني (PKK) حلّ نفسه وإنهاء الكفاح المسلح الذي بدأه عام 1978، استجابةً لدعوة زعيمه المعتقل عبد الله أوجلان، الذي سيتولى قيادة المرحلة القادمة، بحسب ما جاء في بيان ختامي صدر عقب المؤتمر الثاني عشر للحزب، المنعقد بين 5 و7 مايو الجاري.
القرار يأتي وسط ظروف سياسية وأمنية شديدة التعقيد، ويلقي بظلاله على مستقبل القضية الكردية والعلاقات الكردية-التركية في الداخل والإقليم.
الدعوة من إيمرالي: أوجلان يطلق إشارة التغيير
بدأت ملامح التحول بعد إعلان عبد الله أوجلان، المعتقل في جزيرة إيمرالي منذ 1999، في 27 فبراير الماضي، دعوته لحل الحزب وإنهاء العمل المسلح، داعيًا كافة الأطراف إلى “إلقاء السلاح”. تبعت ذلك حالة من الترقب في الأوساط السياسية والإعلامية، تُوجت بانعقاد المؤتمر الاستثنائي الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني مطلع مايو، والذي أفضى إلى سلسلة من القرارات “المفصلية”، بحسب توصيف البيان الختامي.
قرارات المؤتمر: نهاية منظمة وبداية جديدة
عُقد المؤتمر في موقعين متزامنين لأسباب أمنية، وبمشاركة 232 مندوبًا، حيث جرى نقاش واسع حول جملة من القضايا، أبرزها القيادة، والشهداء والجرحى، والهيكل التنظيمي للحزب، والكفاح المسلح، وبناء المجتمع الديمقراطي.
وجاء في البيان: “تقرر حل الهيكل التنظيمي لحزب العمال الكردستاني، وإنهاء الكفاح المسلح، على أن تُدار مرحلة التطبيق من قبل القائد أوجلان”.
ورأى المؤتمر أن الحزب أدى “مهمته التاريخية” بنجاح عبر تفكيك سياسات الإنكار والإبادة ضد الأكراد، وأن الوقت قد حان للانتقال إلى مرحلة النضال الديمقراطي المدني.
من الكفاح المسلح إلى السياسة الديمقراطية
أشار البيان إلى أن حزب العمال خاض نضالًا شرعيًا منذ تأسيسه ضد سياسات “الإنكار والإبادة” التي نُسبت إلى اتفاقية لوزان ودستور 1924، وأنه تبنّى منذ البداية استراتيجية الكفاح المسلح تحت تأثير المدّ الاشتراكي العالمي آنذاك.
وأبرز البيان مراحل تطور الحزب، وخصوصًا في التسعينات حين بدأ الرئيس التركي الراحل طرغوت أوزال مبادرات للحل السلمي، قابلها أوجلان في 1993 بإعلان وقف إطلاق النار. إلا أن “الدولة العميقة” بحسب وصف البيان، عرقلت المسار باغتيال أوزال وتوسيع نطاق القمع والتهجير والقتل والاعتقالات.
ورغم ذلك، لفت البيان إلى أن الحركة “نضجت كمّيًا ونوعيًا”، وأن الحرب أصبحت “الخيار المفروض” على الطرفين.
مرحلة إيمرالي والانتقال نحو الحل الديمقراطي
بعد اعتقال أوجلان في 1999، وإرساله إلى سجن “إمرالي”، اعتبر الحزب أن مرحلة جديدة بدأت بمواجهة “نظام العزل والتصفية” المفروض عليه، لكنه واصل من داخل السجن طرح “مشروع حل ديمقراطي وسلمي”، قائم على النظام الديمقراطي والبيئي والمتحرر من الذكورية ومفهوم الأمة الديمقراطية، والدعوة لدولة ديمقراطية مشتركة تركية-كردية.
وأفاد البيان أن حل المسألة الكردية يتطلب العودة إلى “ما قبل لوزان”، والانطلاق من مشروع “تركيا ديمقراطية متعددة الشعوب”، باعتبار الأكراد والأتراك مكوّنين مؤسسين مشتركين.
رسالة إلى الشعب الكردي وقواه السياسية
وجّه المؤتمر رسالة واضحة إلى الشعب الكردي وقواه السياسية: “نحن واثقون أن شعبنا الذي ناضل لـ52 عامًا سيدعم المرحلة الجديدة من النضال الديمقراطي… ونحث على بناء مؤسسات ذاتية وإعداد المجتمع الكردي للدفاع الذاتي والتنظيم المجتمعي، بقيادة النساء والشباب”.
كما دعا البيان القوى السياسية الكردية والقيادات المجتمعية إلى “تحمّل مسؤولياتها التاريخية” في تحقيق التحول الديمقراطي وتحقيق “الأمة الديمقراطية الكردية”.
دعوة للمجتمع التركي والمعارضة
أبرز ما حمله البيان هو دعوة البرلمان التركي بكافة مكوناته، الحكومة والمعارضة، للمساهمة الفعلية في إنجاح هذه المرحلة، مشددًا على أن “تنفيذ القرارات يتطلب اعترافًا بحق أوجلان في قيادة المسار، وضمانًا قانونيًا شاملاً”.
أوجلان والتنظير الاجتماعي الجديد
ركّز البيان على مشروع “الاشتراكية المجتمعية الديمقراطية” الذي طوره أوجلان داخل السجن، باعتباره بديلاً للاشتراكية القومية المهزومة، ومنطلقًا لثورات ديمقراطية عادلة، خصوصًا في الشرق الأوسط، ووسيلة لبناء “عالم متكافئ وإنساني”.
تحية للشهداء وإعلان استشهاد قيادات بارزة
اختتم البيان بالإعلان عن وفاة القياديَين فؤاد (علي حيدر كايتان) في 2018، ورضا آلتون في 2019، معتبرًا أنهما رمزان للوفاء والحرية. كما جدد العهد على “تحقيق حلم الشهيد سِرّي ثريّا أوندر”.

