تسعى تركيا، في السنوات الأخيرة، إلى تعزيز حضورها في القارة الإفريقية من خلال تقديم نفسها كفاعل بديل وشريك موثوق، وذلك عبر وساطات دبلوماسية في النزاعات الإقليمية، وتوقيع اتفاقيات عسكرية، ودعم مشاريع تنموية، لا سيما في ظل انحسار نفوذ القوى التقليدية كالولايات المتحدة وفرنسا في القارة السمراء، وفقًا لما أشار إليه محللون ودبلوماسيون.
وقد برزت هذه الجهود بصورة أوضح خلال الأشهر الأخيرة، حيث استطاعت أنقرة تحقيق تقدم ملموس في وساطات سياسية بين أطراف إفريقية متنازعة، إلى جانب تكثيف حضورها في المحافل الدبلوماسية الكبرى، ومنها منتدى أنطاليا الدبلوماسي الذي عقد في الفترة ما بين 11 و13 أبريل في مدينة أنطاليا المطلة على البحر الأبيض المتوسط.
منتدى أنطاليا: منصة للحوار وتوسيع النفوذ
شهد منتدى أنطاليا الدبلوماسي، الذي تنظمه تركيا سنويًا، حضورًا لافتًا لمسؤولين أفارقة، يتقدمهم الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، في مؤشر على ازدياد الثقل التركي في إفريقيا. وقد شكّل المنتدى مناسبة لتوطيد العلاقات، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات متعددة.
وأكد وزير خارجية ساحل العاج كاسو ليون آدوم، في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية (AFP) على هامش المنتدى، أن بلاده “تفخر بعلاقاتها التاريخية مع فرنسا”، إلا أنها منفتحة على شراكات أخرى، مضيفًا: “تركيا تعرض علينا شراكات في مجالات الاتصالات، والتجارة، والأمن، والتعليم، والتدريب… ونحن منفتحون على دراسة هذه العروض.”
من الوساطة إلى التأثير الاستراتيجي
تلعب تركيا دورًا متزايدًا في الوساطة لحل النزاعات الإقليمية في إفريقيا، وكان أبرزها نجاحها في التوصل إلى اتفاق بين الصومال وإثيوبيا أواخر عام 2024، بعد التوترات التي نشبت بين البلدين على خلفية اتفاق إثيوبيا مع إقليم أرض الصومال (صوماليلاند) غير المعترف به دوليًا، والذي أعلن استقلاله عن الصومال عام 1991.
وقد تمكّنت أنقرة من جمع الطرفين على طاولة المفاوضات، لتُفضي الوساطة إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين مقديشو وأديس أبابا، وهو ما وصفه المبعوث التركي الخاص إلى هذه المفاوضات، ألب آي، بـ”النجاح الذي يعزز موقع تركيا كميسّر للحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية”.
وبحسب دبلوماسي صومالي رفيع، فإن أنقرة أدت دورًا “مساعدًا ومؤثرًا” في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، مشيرًا إلى أن “تركيا لا تكتفي بتقديم الدعم الأمني، بل تنخرط في مشاريع تنموية شاملة في الصومال”.
الشراكات العسكرية: ركيزة النفوذ التركي
عززت تركيا نفوذها في القارة الإفريقية من خلال توقيع اتفاقيات تعاون عسكري مع عدد من الدول الإفريقية، منها الصومال، وليبيا، وكينيا، ورواندا، وإثيوبيا، ونيجيريا، وغانا. وقد فتحت هذه الاتفاقيات الباب أمام الصناعات الدفاعية التركية، لا سيما الطائرات المسيّرة التركية التي اشتهرت بفعاليتها وانخفاض تكلفتها مقارنة بمثيلاتها الغربية.
ويرى البروفيسور النيجيري إيغوسا أوساغاي، مدير المعهد النيجيري للشؤون الدولية، أن هذه الشراكات الأمنية قد تشكّل “نقطة ارتكاز مهمة لبناء نفوذ تركي دائم في إفريقيا”، خاصة في ظل التهديدات التي تمثلها جماعات مثل “الشباب” في الصومال، و”بوكو حرام” في نيجيريا، و”جيش الرب” في أوغندا.
وأشار أوساغاي، الذي حضر منتدى أنطاليا، إلى أن “الدول الإفريقية تبحث عن شركاء بديلين، وتركيا تطرح نفسها بقوة كأحد هذه البدائل”، معتبرًا أن الجاذبية التي تمثلها العروض التركية ستحدد مدى نجاح أنقرة في ملء الفراغ الذي خلّفته القوى التقليدية.
بين باريس وأنقرة: ملامح انتقال في مراكز التأثير
شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا في الحضور الفرنسي داخل مستعمراتها السابقة في إفريقيا، نتيجة تصاعد مشاعر الاستياء من السياسات الفرنسية وتدخلها في الشؤون المحلية، الأمر الذي أفسح المجال أمام قوى جديدة، مثل تركيا، لتقديم نفسها كشريك “أكثر احترامًا للسيادة وأكثر مرونة في التعاون”.
وفي هذا السياق، قال وزير خارجية ساحل العاج: “فرنسا لم تمنعنا من إقامة شراكات أخرى، وتركيا تعرض ما يلبي احتياجاتنا في مجالات حيوية”.
تركيا بين وساطة السلام ودبلوماسية متعددة المسارات
يعتمد الحضور التركي المتنامي في إفريقيا على دبلوماسية متعددة المسارات، تجمع بين القوة الناعمة (من خلال التدريب والتعليم والمساعدات)، والقوة الصلبة (من خلال التعاون العسكري والصناعات الدفاعية)، إلى جانب أدوار الوساطة السياسية.
وقد سبق لأنقرة أن توسطت في محادثات بين روسيا وأوكرانيا خلال الأشهر الأولى من الحرب، كما دعمت قوى المعارضة في سوريا في مواجهة نظام بشار الأسد، مما منحها نفوذًا سياسيًا في عدة مناطق مضطربة.
وفي منتدى أنطاليا هذا العام، حضرت شخصيات رفيعة من عدة دول، من بينها وزيرا خارجية روسيا وأوكرانيا، إضافة إلى الزعيم السوري الجديد أحمد الشرع، ما يكرّس مكانة تركيا كمنصة حوار دولية.
إفريقيا تبحث عن وسطاء جدد.. وتركيا تسعى لملء الفراغ
مع تنامي النزاعات الإقليمية والصراعات المسلحة، تجد القارة الإفريقية نفسها بحاجة ماسة إلى وسطاء قادرين على الجمع بين المصداقية والفعالية. وفي هذا السياق، يرى أوساغاي أن التجربة التركية، بما تتضمنه من مقاربة واقعية وميدانية، “تقدم نموذجًا مغريًا” لدول تبحث عن شركاء جدد بعيدًا عن هيمنة القوى التقليدية.
وبينما تتجه الأنظار إلى مستقبل العلاقة بين أنقرة والدول الإفريقية، يبقى السؤال الأساسي هو: إلى أي مدى ستتمكن تركيا من تحويل هذه الشراكات إلى نفوذ مستدام ومؤثر في قارة يشكل الصراع والتنافس على النفوذ فيها إحدى أبرز سماتها الجيوسياسية؟

