في خطوة تعكس تصعيداً جديداً في العلاقات المتوترة بين أنقرة وتل أبيب، أعلنت تركيا منع إسرائيل من المشاركة في أي أنشطة أو تدريبات جديدة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما لم يتم التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار في غزة ورفع العوائق أمام وصول المساعدات الإنسانية، وفقاً لما نقلته مصادر رسمية لوسائل الإعلام.
منع إسرائيل من تدريبات الاستجابة للطوارئ في بلغاريا
أفادت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية أن تركيا عرقلت مشاركة إسرائيل في تمرين الناتو السنوي للجاهزية والاستجابة لحالات الطوارئ، المقرر إجراؤه في سبتمبر المقبل في بلغاريا، وهو ما أكدته مصادر إسرائيلية لصحيفة Middle East Eye.
التدريب، الذي ينظمه مركز التنسيق الأوروبي الأطلسي للاستجابة للكوارث بالتعاون مع وزارة الداخلية البلغارية، يهدف إلى تعزيز التنسيق في إدارة الكوارث بين أعضاء الحلف وشركائه الدوليين.
موقف أنقرة: لا تعاون جديد مع إسرائيل داخل الناتو
مصادر تركية أوضحت أن القرار ليس جديداً، إذ تمنع أنقرة منذ أكثر من عام أي تعاون جديد بين الناتو وإسرائيل، رغم استمرار الأنشطة التي تستند إلى وضع إسرائيل الحالي داخل الحلف.
وقال أحد المسؤولين الأتراك: “لن نسمح بأي قرارات أو أنشطة جديدة تتعلق بإسرائيل داخل الناتو حتى يتحقق وقف دائم لإطلاق النار في غزة وتتم إزالة العوائق أمام المساعدات الإنسانية.”
الخلفيات السياسية والدبلوماسية للقرار
يأتي هذا الموقف في ظل تصاعد التوترات بين تركيا وإسرائيل، خصوصاً بعد تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعهد فيها بحماية الدروز والأكراد في سوريا، وهو ما اعتبرته أنقرة محاولة إسرائيلية للتدخل في الشأن السوري وتقسيمه.
غير أن مصدرا تركيًّا نفى أي علاقة بين القرار وهذه التصريحات، مشيراً إلى أن أنقرة تستخدم حقها في الاعتراض داخل الناتو لمنع أي تعاون عسكري جديد مع إسرائيل بسبب سياساتها في غزة.
دور تركيا داخل الناتو والآليات التنظيمية
وفقاً لقواعد الناتو، يجب أن تحظى جميع الأنشطة العسكرية والتعاون المشترك بموافقة إجماعية من الدول الأعضاء البالغ عددها 32 دولة، مما يمنح تركيا حق الفيتو ضد مشاركة إسرائيل في أي تدريبات أو اجتماعات رسمية للحلف.
على الرغم من أن إسرائيل ليست عضواً في الناتو، إلا أنها تتمتع بوضع “الشريك المتوسطي” في إطار حوار أطلق عام 1994، إلى جانب برنامج الشراكة الفردية الذي تم إقراره عام 2016، فضلاً عن مكانتها كحليف رئيسي خارج الناتو للولايات المتحدة منذ عام 1987، مما يسمح لها بالمشاركة في بعض تدريبات الحلف الخاصة بمكافحة الإرهاب والأمن البحري.
إسرائيل تتهم تركيا بعرقلة التعاون داخل الحلف
مسؤول إسرائيلي نقلته يديعوت أحرونوت انتقد بشدة استخدام تركيا لحق النقض داخل الناتو، واصفاً ذلك بأنه “تلاعب سياسي يقوض التعاون الإقليمي ويعيق قدرة الناتو على مواجهة التحديات العالمية”، مضيفاً: “بدلاً من تعزيز الوحدة والأمن الجماعي، تستخدم تركيا الفيتو بشكل يضر بالشراكات الاستراتيجية.”
موقف تركيا من الحرب على غزة
تركيا تعد من أشد المنتقدين للحرب الإسرائيلية في غزة، حيث وصف الرئيس رجب طيب أردوغان مراراً نتنياهو بأنه “مجرم حرب” واتهم إسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية” في القطاع.
وفي قمة الناتو في يوليو 2024، أعلن أردوغان بوضوح أن الحلف لا يمكنه الاستمرار في شراكته مع الحكومة الإسرائيلية، وهو ما دفع وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك إسرائيل كاتس إلى مطالبة الناتو بطرد تركيا من الحلف، بعد أن ألمح أردوغان إلى إمكانية اتخاذ إجراءات عسكرية ضد إسرائيل.
خلفية الحرب وأحدث الإحصائيات
إسرائيل شنت حملتها العسكرية على غزة في أعقاب هجوم شنه حماس في 7 أكتوبر 2023، أسفر عن مقتل 1206 إسرائيليين وأسر نحو 250 رهينة، وفقاً للسلطات الإسرائيلية.
في المقابل، تشير وزارة الصحة في غزة إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية أدت إلى مقتل أكثر من 46,000 فلسطيني وإصابة أكثر من 108,000 آخرين حتى الآن، مما جعلها الحرب الأكثر دموية في تاريخ القطاع.
وفي تقرير أصدرته منظمة العفو الدولية في 5 ديسمبر 2023، اعتبرت أن الانتهاكات الإسرائيلية في غزة ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، وهو ما يعزز موقف أنقرة في معارضتها الصارمة لأي تعاون عسكري مع تل أبيب داخل الناتو.
هل يتغير موقف الناتو؟
مع استمرار الحرب في غزة وتزايد الضغط على إسرائيل بسبب انتهاكاتها، يبقى السؤال مطروحاً: هل سيتمكن الناتو من تجاوز الاعتراض التركي، أم أن موقف أنقرة سيبقى عائقاً أمام أي تعاون مستقبلي بين إسرائيل والحلف؟

