فجّر دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية التركية وحليف الرئيس رجب طيب أردوغان، جدلاً سياسيًا واسعًا باقتراحه تعيين نائبين لرئيس الجمهورية من الأكراد والعلويين، معتبرًا أن هذه الخطوة من شأنها أن تسهم في رأب الصدع المجتمعي وتقليص التوترات العرقية والطائفية التي تعاني منها البلاد منذ عقود.
جاء الاقتراح، الذي كشف عنه لأول مرة في اجتماع مغلق للمجلس التنفيذي للحزب يوم 18 يوليو، في بيان مكتوب أصدره بهجلي يوم الإثنين، مؤكدًا فيه تمسّكه بهذا الطرح بقوله: “لن أتراجع خطوة واحدة عن هذا الموقف… العلويون شعبنا، والأكراد شعبنا، ونحن جميعًا نُشكّل الأمة التركية“.
صدمة في الأوساط السياسية: تغيير في خطاب حزب قومي متشدد
أثار تصريح بهجلي دهشة الأوساط السياسية والإعلامية، نظرًا لأن حزب الحركة القومية يُعرف بمواقفه الصارمة تجاه الأقليات العرقية والمذهبية، خاصة الأكراد والعلويين، الذين يُقدَّر أنهم يشكّلون ما بين 15 إلى 25% من سكان تركيا لكل منهما. ويمثل اقتراحه تحولًا لافتًا في خطاب الحزب القومي، الذي طالما رفض منح تمثيل سياسي خاص لهذه المكونات.
السياق السياسي: جهود السلام مع “الكردستاني” تعيد رسم المشهد
يأتي هذا الاقتراح في خضم مفاوضات سلام متجددة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، بدأت في أكتوبر 2024، حين دعا بهجلي نفسه زعيم الحزب المسجون عبد الله أوجلان إلى حث التنظيم على التخلي عن السلاح.
وقد استجاب أوجلان في فبراير 2025 بإصدار بيان يدعو فيه “العمال الكردستاني” إلى تفكيك نفسه ووقف الكفاح المسلح. وتوّجت هذه المرحلة بحفل رمزي يوم 11 يوليو، قام خلاله 30 مقاتلًا من الحزب بتسليم أسلحتهم وتدميرها علنًا، في خطوة وُصفت بأنها بداية رسمية لإنهاء النزاع المسلح الممتد منذ أربعة عقود.
ردًا على هذه الخطوة، ألمح الرئيس أردوغان إلى وجود تشريعات جديدة قيد الإعداد لدعم مسار السلام، مشيدًا بإعلان وقف السلاح باعتباره “نصرًا وطنيًا“.
ردود الأفعال: ترحيب كردي وسخرية دولية وتحذيرات داخلية
في تعليقه على اقتراح بهجلي، تساءل تونجر باكرهان، الرئيس المشارك لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الموالي للأكراد: “ولمَ لا يكون الرئيس كرديًا أيضًا؟ نحن نطمح لحكم البلاد، وكل الهويات في تركيا تستحق التمثيل“.
من جهة أخرى، عبّر الخبير الاقتصادي البريطاني تيموثي آش عن دهشته بشكل ساخر عبر منصة “إكس”، قائلاً: “هل خُطف بهجلي من قبل كائنات فضائية وأُعيد إلى الأرض بزرع دماغ ليبرالي متعدد الثقافات؟ أي تحوّل هذا؟“
رفض للتشبيه بالنموذج اللبناني الطائفي
وردًا على انتقادات شبهت مقترحه بـ“النظام الطائفي في لبنان“، شدد بهجلي على أن الفكرة لا تهدف إلى تقاسم السلطة على أسس طائفية، بل إلى تعزيز الانسجام الوطني، قائلاً: “الربط بين هذا المقترح وبين لبنان مغالطة متعمدة لتشويه نية صادقة. لن يُسمح بتحويل تركيا إلى نموذج غير مستقر شبيه بلبنان أو غيره“.
وكان الرئيس أردوغان نفسه قد واجه انتقادات مماثلة في وقت سابق من الشهر الجاري، حين وصف تخلي حزب العمال الكردستاني عن السلاح بـ”النصر الوطني”، مؤكداً أن “جميع المواطنين من الأتراك والأكراد والعرب خرجوا رابحين”، في خطاب فسّره مراقبون على أنه تلميح إلى صيغة جديدة محتملة لتقاسم السلطة على أسس عرقية معتدلة.
تركيا أمام مفترق طرق: مقاربة شاملة أم مناورة سياسية؟
يثير هذا التحوّل المفاجئ في خطاب أبرز رموز القومية التركية تساؤلات حول دوافعه الحقيقية: هل هو انعكاس لتحوّل استراتيجي نحو دمج سياسي للأقليات؟ أم أنه جزء من تكتيك سياسي مرتبط بمسار السلام مع “العمال الكردستاني” والتحضير للمرحلة القادمة من النظام السياسي التركي؟
في كل الأحوال، يُشير الخطاب الجديد إلى أن النقاش حول الهوية والتمثيل السياسي في تركيا دخل مرحلة أكثر جرأة، في ظل متغيرات داخلية وإقليمية ضاغطة.

