بعد مرور تسع سنوات على أحداث 15 تموز 2016، لا تزال الحقيقة الكاملة حول تلك الليلة المثيرة للجدل غائبة خلف جدار من التابوهات السياسية والرقابة الإعلامية.
تصريحات الجنرال المتقاعد وعضو مجلس الشورى العسكري الأعلى الأسبق، أكين أوزتورك، أمام المحكمة في 6 أغسطس 2025، جاءت لتكشف تفاصيل جديدة تهز الأساس الذي قامت عليه الرواية الرسمية، وتعيد طرح أسئلة حادة حول دور قادة الجيش والسياسيين، وعلى رأسهم وزير الدفاع السابق خلوصي أكار ورئيس الأركان الحالي يشار غولر.
محاكمات تحت ظلال السياسة
منذ لحظة الانقلاب الفاشل، فرضت السلطة الحاكمة خطاباً إلزامياً يقدّس “الرواية الرسمية” ويجرّم أي تشكيك بها. المحاكمات، وعلى رأسها قضية “القيادة العامة”، جرت في أجواء مشحونة سياسياً، حيث كانت ميليشيات حزبية تتجمع أمام المحاكم، فيما غابت التغطية الإعلامية المتوازنة.
ورغم أن محكمة التمييز ألغت أحكام المؤبد في هذه القضية مؤخراً، إلا أن المناخ السياسي لم يتغير كثيراً، إذ ما زالت أي محاولة لمراجعة أو مساءلة أحداث تلك الليلة تُقابل بتهم “الخيانة” و”الإرهاب”، كما حدث مع الصحفية ميسر يلديز التي اعتُقلت بعد أن وجهت سؤالين إلى خلوصي أكار.
أكين أوزتورك: “لم أشارك… التزمت لأمر أكار”
وفق إفادات أوزتورك في المحكمة، واعترافات شهود آخرين مدعومة بسجلات الاتصالات وكاميرات المراقبة، فإن الجنرال لم يكن على علم مسبق بالانقلاب، وكان في منزل ابنته حين اندلعت الأحداث. ويؤكد أنه ذهب إلى قاعدة أكينجي الجوية بأوامر مباشرة من خلوصي أكار وقائد القوات الجوية آنذاك أبان أونال، بهدف “إقناع” الضباط المتورطين بإنهاء التحرك العسكري.
خلوصي أكار… من “أوامر القائد” إلى “بطل الرواية”
أوزتورك صرّح بوضوح: “في 15 تموز 2016 نفذتُ جميع أوامر خلوصي أكار، لكن بطريقة ما أصبح هو بطل 15 تموز، وأصبحت أنا المتهم الأول.”
كما فنّد مشهد “الإصابة في العنق” الذي ظهر به أكار على الشاشات، مؤكداً أنه لم يرَ أي أثر لضرب أو خنق، بل مجرد خدش أشبه بجُرح حلاقة، وأضاف: “الشخص الذي يُقال إنه كان مقيّداً طلب من أحدهم أن يحضر له قبعته… أي مسرحية هذه؟”
اتهامات ليشار غولر: “أهمل منع الانقلاب”
لم تسلم قيادات أخرى من انتقادات أوزتورك، إذ وجّه اتهامات صريحة إلى يشار غولر، قائلاً إنه كان على علم بالمخاطر، وإن التحرك العسكري كان يمكن منعه لو اتُّخذت إجراءات استباقية بعد الإنذار الذي وصل ظهر ذلك اليوم. كما ذكّره بتصريحاته السابقة في قضايا أخرى، حيث كان يتباهى بامتلاكه “آلاف الصور والأشرطة” في ملفات فساد لم تُكشف أبداً.
“انقلاب بـ 12 طائرة؟”
أوزتورك سخر من الرواية التي تزعم أن بضع طائرات ومروحيات كانت أداة لإسقاط الدولة، معتبراً ذلك إهانة لذكائه، وقال: “هذا عمل نفذه 4 أو 5 أشخاص محدودي التفكير، وظّف فيه بعض ضباط الجيش عن طريق التضليل. أراه فخاً نصبته أطراف خارجية، وحصلت على ما تريد.”
انعكاسات سياسية: من “نعمة الله” إلى النظام الفردي
يرى مراقبون أن تصريحات أوزتورك تتقاطع مع حقيقة أن الانقلاب الفاشل شكّل نقطة تحول مفصلية في النظام السياسي التركي، إذ وصفه الرئيس رجب طيب أردوغان حينها بـ”نعمة الله”، وهو ما مهد لبناء نظام “الرجل الواحد” وتركيز السلطة بيد الحزب الحاكم، في مشهد شبّهه البعض بتركيا الأربعينيات تحت حكم حزب الشعب الجمهوري، لكن بغطاء انتخابي.
أسئلة مفتوحة بلا إجابة
تصريحات أوزتورك فتحت الباب مجدداً أمام أسئلة لم تُجب عنها أي جهة رسمية:
- لماذا لم يُتخذ إجراء بعد الإنذار المبكر؟
- ما حقيقة دور خلوصي أكار في الساعات الحرجة؟
- هل كان الانقلاب فخاً سياسياً مدبّراً أم تحركاً عسكرياً فاشلاً تم استغلاله؟
حتى الآن، لم يردّ أكار ولا غولر على هذه الاتهامات، ما يعزز الشكوك لدى الرأي العام ويترك ملف 15 تموز مفتوحاً على احتمالات كثيرة.

