يقدم المحلل السياسي والكاتب الصحفي التركي أيدوغان وطنداش قراءة تحليليّة شمولية لقرار السلطات التركية الاستثنائي بإعادة فتح التحقيق في وفاة مسؤول المخابرات التركية السابق كاشف كوزين أوغلو.
ويرى أيدوغان وطنداش في مقاله بموقع “بوليتوركو” أن السؤال الجوهري في هذه القضية لم يعد يقتصر على كيفية وفاة كوزين أوغلو داخل سجنه، بل يتجاوز ذلك إلى الدوافع السياسية والأمنية العميقة التي جعلت الدولة التركية تسعى فجأة لاستكشاف حقيقة الحادثة بعد مرور خمسة عشر عاماً على وقوعها. فالقضية في جوهرها، بحسب وطنداش، تمثل نافذة تحليلية واسعة ومؤشراً مبكراً على احتدام صراع النفوذ وإعادة هيكلة موازين القوى تمهيداً لمرحلة ما بعد الرئيس رجب طيب أردوغان.
التطورات القضائية والمستجدات الميدانية في ملف سليفري
تتجسد الوقائع الملموسة في هذا الملف بإلغاء قرار منع الملاحقة القضائية الذي كان يسري لسنوات طويلة، والبدء بإجراءات جنائية واسعة النطاق في سبتمبر 2026. وتضمنت هذه الإجراءات الميدانية استخراج جثمان كاشف كوزين أوغلو -الذي توفي في سجن “سيليفري” بتاريخ 12 نوفمبر 2011- وأخذ عينات من العظام والتربة والأنسجة لإخضاعها للطب الشرعي. كما شملت التحقيقات إعادة فحص تسجيلات كاميرات المراقبة داخل السجن، وسجلات اتصالات الطوارئ، والوثائق الطبية بالمستشفى، واستدعاء مسؤولي السجن السابقين، والطواقم الطبية، والمدعين العامين، وسجناء سابقين كانوا يتشاركون الزنزانة مع المتوفى.
وقد طالت الملاحقات القضائية شخصيات بارزة في المؤسسة الأمنية القديمة، حيث تقرر فرض الإقامة الجبرية على العقيد المتقاعد في استخبارات الجندرما حسن أتيلا أوغور، والكابتن البحري المتقاعد حسن أتامان يلدريم، بناءً على اتهامات تتعلق بالقتل العمد. كما جرى سجن مدعيين عامين سابقين كانا يخدمان في سجن “سيليفري” إبان الحادثة بتهمة الانتماء إلى منظمة إجرامية. ولم تتوقف التحقيقات عند الجانب الجنائي المباشر، بل امتدت لتشمل استجواب كتاب مسلسل الدراما التلفزيونية “وادي الذئاب: الكمين” كشهود، لفحص الرسائل والإسقاطات السياسية المرتبطة بكوزين أوغلو وشخصيات أخرى داخل النص الدرامي.
دلالات التوقيت واستغلال الأوراق الأرشيفية
يركز المحلل السياسي أيدوغان وطنداش على دلالة التوقيت، متسائلاً عن السبب الذي يدفع أجهزة الدولة في هذه اللحظة بالذات إلى تسريب لقطات من كاميرات المراقبة وتوجيه الاتهامات نحو حسن أتيلا أوغور وشبكاته الأمنية. وتشمل المشاهد المسربة تفاصيل دقيقة مثل لحظات إطفاء الإضاءة، والتحركات المريبة حول زنزانة كوزين أوغلو، وكيفية التعامل مع كوب قهوة بعد ظهور أعراض المرض عليه.
ويوضح أيدوغان وطنداش أن الدولة لا تكتفي بتقديم الأدلة مجردة، بل تدرجها ضمن سياق روائي موجه. فالتحقيق القضائي قد يكون يسعى بالفعل لمعرفة ما إذا كانت الوفاة طبيعية أم نتيجة تدخل طرف ثالث، إلا أن قرار تنشيط الأدلة واختيار الشخصيات المستهدفة وتوقيت طرحها للرأي العام يخدم في الوقت نفسه مآرب سياسية معاصرة. ويؤكد وطنداش أن امتلاك الملف لأدلة جنائية حقيقية لا ينفي استخدامه كأداة ضغط ونفوذ في معارك القوى الحالية.
تحولات التحالف السياسي وتوازنات “الدولة القديمة”
يربط أيدوغان وطنداش هذا الملف بالمسار التاريخي لحزب العدالة والتنمية، مشيراً إلى أن الحزب صعد إلى السلطة في بداية المطاف عبر مواجهة المؤسسة العسكرية والبيروقراطية العلمانية والقومية. غير أن التحولات السياسية العنيفة في عقد 2010 دفعت أردوغان إلى بناء تحالفات عملية مع عناصر من ذات المؤسسة الأمنية القومية التي كان يصارعها سابقاً.
ويرى وطنداش أن هذا التحالف لم يقم على انسجام أيديولوجي، بل على تلاقي المصالح. واليوم تداخلت التوازنات لتبدأ مرحلة جديدة؛ حيث لم يعد السؤال مقتصراً على مدى حاجة النظام للعناصر القومية، بل حول التمييز بين الشبكات القومية التي تظل مفيدة، وتلك التي اكتسبت استقلالية أمنية أو بدأت تتجهز لمرحلة ما بعد أردوغان. ومن هنا تبرز أهمية حسن أتيلا أوغور، الذي يمثل رمزاً لشبكات أمنية وإعلامية وسياسية ممتدة من حقبة الجندرما والاستخبارات القومية، وتوجيه الضغط القضائي نحوه يبعث برسالة تحذيرية للشبكة بأكملها.
الشروط الدستورية ومعادلة الـ 360 صوتاً
في تحليله للبناء السياسي، يسلط أيدوغان وطنداش الضوء على الفقرة الدستورية المتمثلة في المادة 116 من الدستور التركي، والتي تشترط الحصول على أغلبية ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (360 صوتاً من أصل 600) لتجديد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل مبكر، وهو الشرط الذي يتيح للرئيس الترشح لفترة رئاسية أخرى أثناء ولايته الثانية.
ويرى وطنداش أن هذه الحسابات الرقمية تجعل النظام السياسي القائم على سلطة الفرد يعاني من هشاشة محتملة في لحظات الاستحقاق؛ فإذا تعذر توفير الـ 360 صوتاً، أو بدأت قطاعات من البيروقراطية والاستخبارات والأحزاب المشاركة في التحالف بالترتيب لمرحلة الخلافة بدلاً من التجديد، ستظهر التصدعات. وفي هذا السياق، يتطرق التحليل إلى النقاشات التي تدور حول سيناريوهات الخلافة، بما في ذلك التكهنات المتعلقة بوزير الخارجية ورئيس المخابرات السابق هاكان فيدان كأحد الخيارات المطروحة في ترتيبات ما بعد أردوغان. ورغم غياب الأدلة القطعية على وجود مخطط منظم، يشدد وطنداش على أن المؤسسات السياسية والأمنية لا تبقى محايدة عند اقتراب لحظات التحول الرئاسي.
التقاطع مع الملف الكردي وإعادة ترتيب الأوراق الأمنية
يقدم أيدوغان وطنداش بعداً آخر يتعلق بالعملية السياسية الجديدة التي تخوضها أنقرة لإنهاء الإرهاب وتعزيز التماسك الوطني، والتي تحظى بدعم علني من أردوغان وزعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي. وتتجلى المفارقة التاريخية في أن شخصيات أمنية قومية ارتبطت تاريخياً بالنهج المتشدد ضد حزب العمال الكردستاني باتت تجد نفسها في بيئة سياسية تتجه نحو خيارات مختلفة.
ويكتسب حسن أتيلا أوغور رمزية خاصة لكونه الشخص الذي شارك مباشرة في استجواب زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان عقب القبض عليه في ١٩٩٩. ويوضح أيدوغان وطنداش أن أوغور كان يمكن أن يتحول إلى صوت معارض بارز ورمز قومي ضد أي تنازلات سياسية محتملة في الملف الكردي؛ وبالتالي فإن ممارسة الضغط القضائي عليه عبر ملف كوزين أوغلو يهدف إلى تحييد هذا المركز المعارض وضبط إيقاع القوى القومية المناهضة للمسار الجديد.
المنظومة الأمنية للقوات الخاصة وفرضية “الغرفة الكونية الثانية”
يصل تحليل أيدوغان وطنداش إلى نقطة محورية عبر ربطه بين الاغتيالات والوفيات الغامضة التي شهدتها تركيا، مثل قضايا نجيب هابلميت أوغلو، ومحسن يازجي أوغلو، وكاشف كوزين أوغلو. حيث يرى أن الخيط المشترك بين هذه القضايا لا يقتصر على أشخاص محددين، بل يرتبط ببيئة مؤسسية واحدة تشمل جهاز المخابرات وقيادة القوات الخاصة.
ويطرح وطنداش فرضية تتساءل عما إذا كانت التحقيقات المتزامنة في هذه الملفات القديمة تشكل مواجهة أمنية جديدة تشبه أحداث “الغرفة الكونية”؛ أي محاولة لتفكيك واختراق أعمق طبقات المنظومة الأمنية التركية وتجريد الشبكات ذات التوجهات المستقلة من مصادر نفوذها. ففي الأنظمة الشمولية والمركزية، تكون التحالفات مرحلية وتستمر فقط ما دامت الحاجة المتبادلة قائمة، أما عندما يبدأ أحد الأطراف في التخطيط لمرحلة الخلافة، فإن حليف الأمس يتحول سريعاً إلى تهديد أمني مستقبلي.
التقييم المنهجي: بين الوقائع الملموسة والافتراضات النظرية
يميز أيدوغان وطنداش في قراءته بين اتجاهين تحليليين للتحقيق:
- اتجاه يبحث في تفاصيل الماضي (كتحليلات جوهري جوفين)؛ ويركز على ما حدث داخل سجن “سيليفري”، وملابسات التشريح، ومصير العينات البيولوجية، والمذكرات المفقودة، ودور جهاز المخابرات.
- اتجاه ينظر إلى المستقبل (كتحليلات أمره أوسلو)؛ ويركز على سبب إثارة هذه الأسئلة في عام 2026، واستهداف حسن أتيلا أوغور، وعلاقة ذلك بالترتيبات السياسية القادمة.
ويؤكد أيدوغان وطنداش أن هذين المسارين لا يتعارضان، بل يكمل أحدهما الآخر؛ إذ يمكن للملف أن يحوي أدلة جنائية دامغة حول جرائم الماضي، وفي الوقت ذاته يُستخدم كأداة للمناورة والسيطرة على موازين القوى في المستقبل.
ومع ذلك، يضع وطنداش تحذيراً منهجياً من الاندفاع خلف نظرية المؤامرة الكلية؛ مشيراً إلى أن وجود معرفة أو تواصل بين الشخصيات الأمنية لا يعني بالضرورة وجود تنظيم أمني موحد أو مخطط تنفيذي مشترك. ويشدد على ضرورة الاستناد إلى الحقائق الثلاث الملموسة المتمثلة في:
- تجميد ملف كوزين أوغلو لمدة خمسة عشر عاماً.
- تحوله الفجائي إلى تحقيق جنائي واسع النطاق يشمل نبش القبور واحتجاز القيادات.
- استهداف التحقيق لشخصيات تنتمي لشبكات أمنية وعسكرية سابقة.
التطلعات المستقبلية وخريطة إعادة تشكيل النفوذ
يخلص المحلل السياسي أيدوغان وطنداش إلى أن معركة الخلافة وإعادة تشكيل نظام الحكم في تركيا لا تنتظر مغادرة الرئيس أردوغان لكرسي السلطة، بل تبدأ وتتطور وهو لا يزال في قمة هرم الحكم. وهذه المعركة لا تعلن عن نفسها بالضرورة عبر المؤتمرات الحزبية والخطابات الانتخابية، بل تتجلى في تفاصيل أمنية وقضائية غامضة: مقطع فيديو قديم من السجن، تقرير طب شرعي حديث، أرشيف استخباراتي يُعاد فتحه، قيادي عسكري متقاعد يوضع تحت الإقامة الجبرية، وجثمان يُستخرج من قبره لاستنطاق أسراره.
وبناءً على ذلك، فإن قضية كاشف كوزين أوغلو تعد خريطة كاشفة ومؤشراً دقيقاً للشبكات والمؤسسات والأسرار التي ستصوغ النظام السياسي القادم في تركيا. ويبقى المحك الحقيقي لتحديد طبيعة التحقيق -ما إذا كان محاولة صادقة لتطهير الدولة العميقة أم مجرد صراع بين أجنحتها المتعددة- متمثلاً في الرقابة الواعية لشخصيات المستجوبين والموقوفين، والمؤسسات التي تُفتح أرشيفاتها، ومقارنتها بتلك الأطراف والشخصيات التي تبقى بعيدة عن المساءلة والمساس.

