مع عودة المحاكم إلى العمل بعد العطلة القضائية الصيفية، شهدت تركيا موجة جديدة من الملاحقات ضد الصحفيين، حيث مثُل ستة وخمسون صحفياً أمام القضاء خلال شهر أيلول/سبتمبر، وفق تقرير أعده النائب المعارض أوتكو تشاكير أوزر عن حزب الشعب الجمهوري.
ويشير التقرير إلى أن هذه الموجة ليست مجرد تراكم قضايا مؤجلة، بل جزء من نهج مستمر لتقييد حرية الإعلام والرأي، في ظل تصاعد الرقابة والسيطرة الحكومية على المشهد الإعلامي.
تشاكير أوزر: المحاكم امتلأت بالصحفيين مع عودة العمل القضائي
النائب تشاكير أوزر وصف الوضع بأنه “عار وطني”، مؤكداً أن “امتلاء قاعات المحاكم بالصحفيين فور انتهاء العطلة القضائية يعكس حجم القمع الممنهج ضد حرية التعبير”.
وأضاف أن حكومة حزب العدالة والتنمية لا تكتفي بتقييد الصحافة، بل تسعى كذلك إلى حرمان المجتمع من حقه في الحصول على المعلومة، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للبنية الديمقراطية في البلاد.
قضايا فردية تعبّر عن المشهد العام
تنوّعت القضايا التي استهدفت الصحفيين بين التعليقات السياسية، والتحقيقات الصحفية، والتغطيات الميدانية.
من بين من مثلوا أمام القضاء، المذيعة إجه أونَر، والصحفية إليف أكغول من موقع غازيته دوفار، والمحققة الصحفية أسومان أرانجا من موقع T24، وكلٌّ منهن تواجه دعاوى مرتبطة بتقارير أو تصريحات صحفية.
كما اعتُقل أوزكان بوزكورت، صاحب قناةSarı Mikrofon على يوتيوب، بعد أن نشر تسجيلاً يظهر رجلاً يطلق النار أثناء مقابلة ميدانية، وهو مقطع انتشر على نطاق واسع وأثار تحقيقاً فورياً من الشرطة.
إعلاميون في مرمى القضاء بسبب انتقاد السياسات الحكومية
تعرّض عدد من المعلقين التلفزيونيين المعروفين، بينهم محمد تزكان وإبراهيم قهوجي وسعاد توكطاش وتيمور صويكان وباريش بيلحان، للملاحقة القضائية على خلفية تصريحات أدلوا بها عبر قناة Halk TV، تضمنت انتقادات لسياسات الحكومة واتهامات بالفساد.
وفي الوقت ذاته، رفضت المحاكم طلبات الإفراج عن الصحفيين فاتح ألطايلي وفرقان كَراباي، اللذين ما زالا قيد الاحتجاز في قضايا منفصلة تتعلق بمحتوى منشور على وسائل التواصل الاجتماعي وتغطية شؤون القضاء.
ملفات حساسة: من اختراق بيانات إلى اتهامات بالإرهاب
أوقِف الكاتب فيT24 تولغا شاردان بعد نشره تقريراً عن سرقة كلمات المرور الإلكترونية الخاصة بهيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (BTK)، وهي قضية أثارت جدلاً واسعاً حول ثغرات أمنية داخل أجهزة الدولة.
وفي الجنوب الشرقي، خضع الصحفي متين يوكسو للتحقيق في محافظة أرتفين ضمن قضية تتعلق بـ “نشر دعاية إرهابية”، وهي تهمة متكررة تُستخدم بحق صحفيين يغطون قضايا تخص المناطق الكردية.
أما مراسلة وكالة JinNews شهربان أصلان، فأعلنت أنها تلقت تهديدات بالقتل بعد تغطيتها لقضية اختطاف طفل في محافظة ديار بكر، ما يعكس حجم المخاطر التي تواجهها الصحفيات في الميدان.
توسّع السيطرة الحكومية على وسائل الإعلام الخاصة
كشفت التحقيقات عن تعيين وصاة حكوميين على ثلاث قنوات رئيسية هي Habertürk TV وShow TV وBloomberg HT، وجميعها تابعة لمجموعة جان هولدينج التي تواجه اتهامات بالفساد المالي. القرار أثار مخاوف متزايدة بشأن اتساع نفوذ الدولة على الإعلام الخاص، وتحويل مؤسسات إعلامية تجارية إلى أدوات خاضعة للسلطة السياسية.
هيئة الإذاعة: أداة رقابية مشددة
واصلت هيئة الرقابة على البث فرض عقوبات قاسية، إذ قررت إيقاف قناة TELE 1 لمدة خمسة أيام بعد بث شريط ترجمة قارن بين الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبرة ذلك “إهانة لرئيس الدولة”.
واعتُقل مدير القناة مردان يانرداغ إلى جانب نامق دمير ولاله أوزوغورلو، قبل أن يُفرج عنهم بشروط قضائية.
كما أمرت الهيئة منصة BirGün TV التابعة لجريدة BirGün التقدم بطلب ترخيص بث خلال 72 ساعة، وهو إجراء وصفه ناشطون بأنه محاولة لإخضاع الإعلام الرقمي للقوانين التقليدية المقيّدة.
قيود رقمية جديدة وتوسع في حجب المحتوى
توسعت الرقابة لتشمل المجال الرقمي، حيث تم حجب حسابات ومنصات إعلامية مستقلة مثل Yeni Yaşam ووكالة Etkin وموقع Avrupa Demokrat، بذريعة “حماية الأمن القومي والنظام العام”.
كما أصدرت المحاكم قرارات بحظر الوصول إلى تقارير إعلامية تناولت حريق فندق شهير في بودروم، وتغطيات حول شركة جنكيز هولدينج المقربة من الحكومة، إضافة إلى تقارير عن وفاة الطالبة روجين كبايش التي فجّرت احتجاجات ضد الإهمال الأمني.
وامتد الحجب ليشمل الفيلم الوثائقي “ذاكرة سور“ الذي يوثّق تدمير حي سور التاريخي في ديار بكر عام 2016، وكذلك تقارير عن نجل فخر الدين ألطون، مدير دائرة الاتصالات في الرئاسة، بعد انتشار مزاعم تتعلق بسلوكه على وسائل التواصل الاجتماعي.
تركيا تتراجع في مؤشرات حرية الصحافة العالمية
وفق مراسلون بلا حدود، تراجعت تركيا إلى المرتبة 159 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025، مما يرسخ مكانتها بين أكثر الدول سجنًا للصحفيين في العالم.
ويؤكد التقرير أن البيئة الإعلامية في تركيا باتت محكومة بمزيج من الترهيب القانوني والرقابة الرقمية والضغوط الاقتصادية، ما يجعل العمل الصحفي المستقل مخاطرة حقيقية.

