بقلم: سليم نيازي أوغلو
تكشف القمة الأخيرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ أن العلاقة بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم دخلت مرحلة أكثر تعقيداً من مجرد منافسة تجارية. فالهدنة التي خرجت بها واشنطن تبدو أقرب إلى إدارة مؤقتة للصراع منها إلى تسوية استراتيجية، بينما تتسع المنافسة لتشمل التكنولوجيا والعناصر الأرضية النادرة والذكاء الاصطناعي والردع النووي وتايوان وموازين القوة في الشرق الأوسط وآسيا.
وخلف المظاهر الاحتفالية التي رافقت زيارة شي إلى واشنطن، بقيت الملفات الجوهرية بلا حلول نهائية. فقد حرص ترامب على إظهار علاقة شخصية إيجابية مع نظيره الصيني، بينما تبنى شي خطاباً أكثر حذراً، محذراً من الوقوع في «فخ ثوكيديدس»؛ أي تحول صعود قوة جديدة إلى مواجهة مع القوة القائمة. ودعا إلى تحويل التنافس إلى منافسة يمكن التحكم بها بدلاً من الانزلاق إلى صراع صفري.
استعراض القوة خلف لغة الصداقة
اتخذت الزيارة طابعاً احتفالياً استثنائياً، بدءاً من استقبال ترامب شخصياً لشي في قاعدة أندروز، مروراً بمراسم رسمية شارك فيها مئات الجنود وعروض جوية شملت مقاتلات وقاذفات استراتيجية، وصولاً إلى مأدبة ضمت مسؤولين ومستثمرين وشخصيات بارزة في قطاع التكنولوجيا. وفي المقابل، حاول الجانب الصيني الحفاظ على صورة أكثر انضباطاً، مع رسائل سياسية تركز على الاستقرار وتجنب المواجهة.
غير أن هذا التباين البروتوكولي يحمل دلالة أوسع: واشنطن تريد إظهار أنها قادرة على إدارة العلاقة من موقع القوة، بينما تسعى بكين إلى تجنب إعطاء الانطباع بأنها تتراجع أمام الضغط الأمريكي. لذلك بدت القمة، في أحد مستوياتها، محاولة لإدارة الصورة بقدر ما كانت مفاوضات حول المصالح.
حتى داخل الولايات المتحدة لم تمر هذه السياسة بلا اعتراض. فقد واجه ترامب انتقادات من بعض أنصاره المحافظين بسبب حديثه عن استقبال مئات آلاف الطلاب الصينيين في الجامعات الأمريكية، فيما انتقد آخرون منح بكين مظاهر احتفاء واسعة رغم استمرار الخلافات التجارية والأمنية.
العناصر الأرضية النادرة: ورقة ضغط تتجاوز التجارة
يكمن أحد أهم مصادر القوة الصينية في قدرتها على التحكم بجزء كبير من سلاسل إمداد العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات الصناعية، وهي مواد أساسية للصناعات الإلكترونية والعسكرية والتكنولوجية.
وعندما تحولت الرسوم الجمركية المتبادلة إلى مواجهة أكثر حدة، استخدمت بكين القيود على صادرات هذه المواد كورقة ضغط استراتيجية. ويقدر النص أن الصين تسيطر على نحو 80 إلى 90 في المائة من الإنتاج العالمي لهذه العناصر، وهو ما جعل التصعيد التجاري يحمل مخاطر مباشرة على الصناعات الأمريكية.
ومن هنا يمكن تفسير طبيعة الهدنة الجديدة. فقد اتفق الطرفان على تمديد التهدئة الجمركية لفترة محدودة، مع استثناءات تتعلق ببعض المنتجات الزراعية والأجهزة الطبية والسلع الاستهلاكية غير الحساسة. كما يتوقع عقد لقاءات جديدة بين الزعيمين في إطار قمم دولية لاحقة.
لكن قصر مدة الهدنة وعدم معالجة الخلافات الهيكلية يوحيان بأن جوهر الحرب التجارية لم يُحسم. فالمشكلة لم تعد تتعلق فقط بحجم الرسوم، وإنما بمن يملك السيطرة على سلاسل الإنتاج والتكنولوجيا والمواد الاستراتيجية التي ستحدد شكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
التكنولوجيا: المعركة الحقيقية وراء التعريفات
أخطر جوانب المنافسة الأمريكية الصينية قد لا يكون تجارياً أصلاً، بل تكنولوجياً. فواشنطن تنظر إلى الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والطاقة والفضاء باعتبارها مجالات يمكن أن تحدد التفوق الاقتصادي والعسكري في الجيل المقبل.
ولهذا فرضت الولايات المتحدة قيوداً على تصدير الشرائح المتقدمة ومعدات الذكاء الاصطناعي إلى الصين، في محاولة لإبطاء قدرتها على تطوير تقنيات متقدمة. لكن بكين تعمل بالتوازي على تطوير بدائل محلية وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الغربية.
وتظهر هنا اختلافات جوهرية في الرؤية. فشي يدعو إلى إبقاء التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي، تحت رقابة بشرية وتوجيهها نحو المصلحة العامة، بينما يميل ترامب إلى تجنب مستويات تنظيمية إضافية، ويقلل من بعض المخاوف المتعلقة بالمخاطر بعيدة المدى للذكاء الاصطناعي.
ورغم إنشاء قناة اتصال ثنائية لمناقشة «الذكاء الفائق» والمخاطر المرتبطة به، لم تنتج القمة إطاراً تنظيمياً ملزماً. وبذلك بقي التعاون في هذا المجال محدوداً، فيما استمر التنافس على التفوق التقني.
تايوان: نقطة الاختبار الأخطر
إذا كانت التجارة والتكنولوجيا تمثلان ساحتي تنافس طويل الأمد، فإن تايوان تبقى نقطة الاصطدام الأكثر حساسية.
تواصل بكين رفض أي تحرك باتجاه استقلال الجزيرة، وتضغط على واشنطن لاتخاذ موقف أكثر وضوحاً ضد استقلالها ووقف مبيعات الأسلحة إليها. وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على قدرتها على ردع أي تغيير بالقوة من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الصين.
ويشير التحليل الأصلي إلى أن واشنطن جمدت حزمة أسلحة لتايوان تبلغ قيمتها نحو 14 مليار دولار، في سياق يرتبط بالمخزونات العسكرية والحسابات الاستراتيجية الأوسع. لكن أهمية المسألة تتجاوز تايوان نفسها، لأن أي مواجهة هناك يمكن أن تضع اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين ودولاً أخرى أمام ضغوط مباشرة للانخراط في صراع طويل ومكلف.
الشرق الأوسط يدخل في حسابات الردع الآسيوية
لا يمكن فصل التنافس الأمريكي الصيني عن التطورات العسكرية في الشرق الأوسط. فواشنطن مطالبة في الوقت نفسه بإدارة ملفات روسيا وإيران وأوروبا وآسيا، بينما تراقب بكين حجم الموارد العسكرية واللوجستية التي تستهلكها الولايات المتحدة في هذه المسارح.
ويذهب تحليل أوردته مجلة «ناشونال إنترست» إلى أن استخدام الولايات المتحدة قدرات عسكرية كبيرة لحماية إسرائيل ومواجهة إيران كشف حدود القدرة على إدارة عمليات واسعة ومتزامنة. كما يشير التحليل إلى التأثير الذي يمكن أن يتركه استهلاك صواريخ الدفاع الجوي والذخائر على قدرة واشنطن المستقبلية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وبالنسبة إلى بكين، لا يعني ذلك بالضرورة أن الولايات المتحدة أصبحت أضعف عسكرياً، بل أن قيمة القوة الأمريكية تتأثر بقدرتها على توزيع الموارد وإعادة تكوين المخزونات وإدارة عدة أزمات في الوقت نفسه.
وهذه نقطة أساسية في حسابات الردع. فالصراع بين واشنطن وبكين لن يُحسم فقط بعدد حاملات الطائرات أو الرؤوس النووية، وإنما أيضاً بقدرة كل طرف على تحمل حرب طويلة، والحفاظ على سلاسل الإمداد، وتعويض الذخائر، وتأمين الطاقة والتكنولوجيا.
روسيا وإيران وكوريا الشمالية: صراع على الشبكات لا الجبهات
تضغط واشنطن على بكين بسبب علاقاتها مع روسيا وإيران وكوريا الشمالية. ويشير مراقبون إلى دور الشركات الصينية في توفير مكونات إلكترونية للصناعة الروسية، وإلى اتهامات تتعلق بتقديم شركات صينية صوراً وتقنيات فضائية لإيران.
في المقابل، تدفع الصين باتجاه المفاوضات بين واشنطن وطهران وفتح الممرات البحرية، في محاولة لتقديم نفسها كقوة تدعو إلى الاستقرار، وليس كطرف يسعى إلى توسيع الصراع.
وتمنح هذه السياسة بكين هامشاً إضافياً للتحرك: فهي تستطيع دعم شركائها اقتصادياً وتقنياً من دون الدخول بالضرورة في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.
من الأحادية إلى توازن أكثر تعقيداً
المشهد الأوسع الذي تكشفه القمة لا يشير ببساطة إلى انتقال العالم من قطب أمريكي إلى قطبين أمريكي وصيني. فالمعادلة أكثر تعقيداً. هناك روسيا، والهند، والاتحاد الأوروبي، وقوى إقليمية مؤثرة، وشبكات اقتصادية وتكنولوجية عابرة للحدود.
لكن المنافسة الأمريكية الصينية أصبحت المحور الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل النظام الدولي. فالتجارة تحولت إلى أداة أمن قومي، والتكنولوجيا إلى سلاح استراتيجي، والطاقة إلى عنصر من عناصر الردع، وسلاسل الإمداد إلى جزء من الأمن العسكري.
لهذا تبدو «الهدنة» التي خرجت بها واشنطن محدودة بطبيعتها. إنها تخفف الاحتكاك لكنها لا تلغي أسباب الصراع. فواشنطن تريد الحفاظ على تفوقها التكنولوجي والعسكري وشبكة تحالفاتها، بينما تعمل بكين على تقليص نقاط ضعفها وبناء قدرة مستقلة في التكنولوجيا والطاقة والصناعة والدفاع.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال المركزي هو أي قوة ستنتصر في هذه المنافسة، بل إلى أي حد تستطيع كل منهما إدارة الصراع من دون تحويله إلى مواجهة مباشرة.
فالردع في المرحلة المقبلة لن يقوم على القوة وحدها، وإنما على القدرة على التحكم في التصعيد. وكلما تعددت الأزمات التي تواجهها واشنطن وبكين في الوقت نفسه، أصبحت إدارة الموارد والتحالفات وسلاسل الإمداد والاحتياطيات العسكرية جزءاً لا يقل أهمية عن القوة النارية نفسها.
وهنا تكمن المفارقة: قمة واشنطن قدمت صورة عن التفاهم، لكنها في الوقت ذاته كشفت عمق الخلاف. فالهدنة التجارية قد تؤجل المواجهة، وقنوات الحوار قد تمنع سوء التقدير، لكن الصراع على التكنولوجيا والموارد والنفوذ والردع يعيد تشكيل النظام الدولي بوتيرة متسارعة.

