تقرير: ياوز أجار
في خطوة غير مسبوقة قد تعيد تشكيل المشهد السياسي والأمني في تركيا، دعا عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، إلى إنهاء النزاع المسلح المستمر منذ أكثر من أربعة عقود، وحل جميع المجموعات التابعة للحزب. هذه الدعوة، التي جاءت في بيان قُرئ باللغتين التركية والكردية خلال مؤتمر صحفي في إسطنبول، تُعد تحولًا جوهريًا في القضية الكردية وتفتح الباب أمام ترتيبات سياسية قد تخدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سعيه لإطالة حكمه.
أوجلان يدعو إلى حل حزب العمال الكردستاني
أوجلان، الذي يقضي عقوبة السجن مدى الحياة في جزيرة إمرالي منذ عام 1999، أعلن في رسالته أنه يتحمل “المسؤولية التاريخية” عن هذه الدعوة، مطالبًا حزب العمال الكردستاني بعقد مؤتمر خاص لاتخاذ قرارات تتعلق بالاندماج مع الدولة والمجتمع التركي. وقال: “يجب على جميع المجموعات المسلحة إلقاء سلاحها، وعلى الحزب أن يحل نفسه”.
انعكاسات الدعوة على المشهد السياسي التركي
تأتي هذه التطورات في وقت حساس سياسيًا، حيث يسعى أردوغان، الذي تنتهي ولايته الدستورية في 2028، إلى تعديل الدستور أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة لضمان بقائه في السلطة. غير أن تحالفه الحاكم، الذي يضم حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، لا يملك العدد الكافي من الأصوات البرلمانية لتمرير التعديلات الدستورية المطلوبة، ما يدفعه إلى محاولة استقطاب دعم الأحزاب الكردية، خاصة حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب.
وصرَّح الخبير التركي المتخصص في القضية الكردية، أمره أوسلو، بأن أردوغان، رغم أكثر من عقدين في الحكم، لم يتمكن سوى من تغيير “جسد” النظام العلماني الكمالي، نسبةً إلى مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، لكنه اليوم يجد نفسه بحاجة ماسّة إلى تغيير “روحه” بالكامل. ولتحقيق ذلك، يسعى إلى صياغة دستور جديد بالتعاون مع الأكراد، يرتكز على “علمانية مرنة” أقرب إلى النموذج الأمريكي، بدلاً من العلمانية الفرنسية الصارمة، مع إعادة تشكيل الهوية القومية التركية عبر تخفيف حدّتها الأيديولوجية المتطرفة. وبهذا، لن يكون التغيير مجرّد تعديل سياسي، بل إنهاءً للنظام السابق وإرساءً لأسس نظام جديد بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
حسابات أردوغان وتحولات التحالفات
يشغل التحالف الحاكم حاليًا 321 مقعدًا في البرلمان، فيما يحتاج أي تعديل دستوري إلى 360 صوتًا. وهنا تبرز أهمية دعم حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، الذي يمتلك 57 مقعدًا، في تمرير هذه التعديلات. هذا يفسر توجه أردوغان نحو فتح قنوات تفاوض مع الأحزاب الكردية، بعدما تعثرت محاولاته في كسب تأييد حزب الشعب الجمهوري القومي العلماني.
التأثير الإقليمي والدولي
يمتد تأثير هذه التطورات إلى خارج تركيا، حيث رحّبت حكومة إقليم كردستان العراق بدعوة أوجلان، داعية المقاتلين الكرد إلى الامتثال لها. كما رحب البيت الأبيض بهذه المبادرة، معتبرًا أنها “خطوة مهمة قد تساعد في تهدئة التوترات في المنطقة، وتطمئن تركيا بشأن شركاء واشنطن في مكافحة تنظيم داعش”.
على الجانب الآخر، أبدى قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، تحفظه، مشددًا على أن دعوة أوجلان تتعلق بحزب العمال الكردستاني ولا تمتد إلى قواته في شمال شرق سوريا. تأتي هذه التصريحات في وقت تواجه فيه قوات سوريا الديمقراطية ضغوطًا متزايدة بعد إعلان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن خطط محتملة لسحب القوات الأمريكية من سوريا، ما قد يضعف موقفها أمام تركيا.
عوائق المصالحة: القوميون المتطرفون والانقسامات الكردية
رغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بدعوة أوجلان، إلا أن مسار السلام المحتمل لن يكون خاليًا من التحديات. فالقوميون الأتراك المتطرفون قد يرفضون أي تنازلات للكرد، خصوصًا فيما يتعلق باستخدام اللغة الكردية في المؤسسات الرسمية، وهو مطلب رئيسي لحزب العمال الكردستاني. كما أن الانقسامات داخل الفصائل الكردية نفسها قد تعرقل تنفيذ هذه الدعوة، حيث ترفض بعض الجماعات المتشددة أي تسوية مع الدولة التركية. ومن المحتمل أن اعتقال زعيم حزب الأمل “القومي” المتطرف أميت أوزداغ كان خطوة استباقية استهدفت منعه من استخدام قواعده الشعبية لإشعال الشوارع اعتراضا على عملية السلام الكردي التي أطلقها الزعيم القومي الآخر دولت بهجلي بدعم من الرئيس أردوغان.
مواقف الأحزاب التركية من الدعوة
تفاوتت ردود الفعل داخل تركيا حيال هذا التطور الموسوم بالتاريخي، حيث علق نائب رئيس حزب العدالة والتنمية أفاكان علاء قائلًا: “سننظر إلى نتائج الدعوة، الأهم هو ما إذا كان الحزب سيستجيب بالفعل”. في حين رحب رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزل، بهذه الخطوة، لكنه شدد على أن المعارضة لن تسمح باستغلالها لخدمة أجندة أردوغان السياسية. كما أن زعيم حزب المستقبل أحمد داود أوغلو دعا إلى وضع “خريطة طريق ملموسة” لضمان نجاح عملية السلام. من جانبه وصف زعيم حزب الدواء (الديمقراطية والنهضة) علي باباجان الدعوة بأنها “تاريخية”، مؤكدًا على ضرورة التنفيذ الفوري لها.
هل يشهد الشرق الأوسط تغييرًا جذريًا؟
في حال استجابة قيادة حزب العمال الكردستاني لدعوة أوجلان، فإن ذلك قد يكون نقطة تحول في النزاع الكردي-التركي، ما قد يسهم في استقرار المنطقة، خصوصًا في ظل المتغيرات الجيوسياسية في العراق وسوريا. غير أن نجاح هذه المبادرة سيعتمد على مدى التزام الأطراف المختلفة بها، وقدرة الحكومة التركية على تقديم ضمانات فعلية تعزز الحقوق السياسية والثقافية للكرد داخل تركيا، وعدم تعرض العملية للانقطاع بتدخل دول دأبت على استغلال العمال الكردستاني ضد تركيا.

