شهدت العاصمة التركية أنقرة مشهداً سياسياً متوتراً خلال الزيارة الرسمية الأولى للمستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى تركيا، حيث تصاعدت الخلافات العلنية بينه وبين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول ملفين حساسين: استقلال القضاء في تركيا، والحرب الإسرائيلية على غزة.
الزيارة، التي جاءت بعد أشهر من انتخاب ميرتس مستشاراً لألمانيا، حملت طابعاً اختبارياً للعلاقات بين البلدين، وسط ضغوط داخلية ألمانية على الحكومة لعدم تجاهل التراجع الديمقراطي في تركيا.
ملف القضاء التركي: انتقادات أوروبية متجددة
في المؤتمر الصحفي المشترك مع أردوغان، لم يتردد ميرتس في التعبير عن قلقه العميق بشأن أوضاع سيادة القانون في تركيا، مشيراً إلى أن عدداً من القرارات القضائية الأخيرة لا تتوافق مع معايير دولة القانون والديمقراطية كما تفهمها أوروبا.
واستشهد المستشار الألماني بقضية رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي يقبع في السجن منذ آذار بتهم تتعلق بالفساد، بينما يعتبرها مراقبون ذات دوافع سياسية واضحة.
وقال ميرتس إن مسألة استقلال القضاء لا تزال موضع نقاش مستمر بين أنقرة وبروكسل، مؤكداً أن تقارب تركيا مع أوروبا مرهون بالالتزام بمعايير كوبنهاغن التي تضمن الديمقراطية وحقوق الإنسان واستقلال المؤسسات القضائية.
قضية إمام أوغلو أثارت احتجاجات واسعة في تركيا هي الأكبر منذ تظاهرات عام 2013، فيما أصدرت النيابة العامة مؤخراً مذكرة توقيف جديدة بحقه بتهمة “التجسس السياسي”، وهو ما وصفه إمام أوغلو بأنه “مؤامرة سياسية” تستهدف إقصاءه من المشهد المعارض.
من جانبها، أكدت منظمات حقوقية ألمانية وأحزاب معارضة أنه على برلين عدم التغاضي عن الانتهاكات الحقوقية في تركيا، حيث دعا نواب من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحكومة إلى مواجهة أنقرة بشأن هذه الاتهامات الجديدة، معتبرين أن “الوضع الداخلي التركي ما زال متوتراً للغاية”.
رد أردوغان: تركيا ليست دولة أوروبية عادية
أردوغان رفض الانتقادات الألمانية بشدة، مشدداً على أن بلاده “ليست دولة أوروبية عادية، بل ديمقراطية حقيقية تعمل مؤسساتها بشكل مستقل”.
وأوضح أن القضية المتعلقة بعمدة إسطنبول “تسير في إطار القانون”، مضيفاً: “لو لم يقم القضاء بواجبه، لانتشرت المخالفات في كل مكان”.
الرئيس التركي رأى أن الغرب يستخدم شعارات الديمقراطية كأداة ضغط سياسية، مؤكداً أن العدالة في تركيا “تُطبق على الجميع دون استثناء”.
خلاف حاد حول غزة: معركة السرديات بين أنقرة وبرلين
الشق الثاني من الخلاف تمحور حول الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث برز التباين بوضوح بين الموقفين الألماني والتركي.
ميرتس أكد أن لإسرائيل “حقاً مشروعاً في الدفاع عن نفسها”، مضيفاً أن الحرب كان يمكن أن تنتهي بسرعة لو أطلقت حركة حماس سراح الرهائن وألقت سلاحها.
في المقابل، رد أردوغان بلهجة حادة، متهماً إسرائيل بارتكاب “مجازر ممنهجة” ضد المدنيين في غزة. وقال: “أكثر من ستين ألف امرأة وطفل وكهل قُتلوا تحت القصف الإسرائيلي… ألا تتابعون هذه المآسي في ألمانيا؟”.
ووصف الرئيس التركي ما يجري بأنه “إبادة جماعية”، موجهاً اتهاماً مباشراً للدول الغربية، وفي مقدمتها ألمانيا، بـ”ازدواجية المعايير” تجاه المأساة الفلسطينية.
آخر التقارير الصادرة من قطاع غزة أشارت إلى مقتل أكثر من مئة مدني في غارات إسرائيلية عنيفة ليلة الثلاثاء، هي الأعنف منذ بداية الهدنة الجزئية مطلع الشهر الجاري، فيما تجاوز إجمالي الضحايا أكثر من ثمانية وستين ألف قتيل منذ اندلاع الحرب.
اتفاق هش ووساطة تركية
ورغم الانتقادات المتبادلة، أعرب ميرتس عن تقديره لدور أنقرة في التوسط لوقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن “الوضع في غزة لا يزال هشاً”، آملاً أن تستخدم تركيا نفوذها لإقناع حماس بالالتزام بالمرحلة الثانية من اتفاق الهدنة.
الهدنة الحالية، التي تم التوصل إليها في العاشر من تشرين الأول بوساطة أمريكية ومصرية وقطرية وتركية، تشكل المرحلة الأولى من خطة السلام المؤلفة من عشرين بنداً التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في محاولة لإنهاء الحرب المستمرة منذ عام 2023.
ملفات التعاون الدفاعي والهجرة
رغم الخلافات السياسية، حرص الجانبان على إظهار تقارب براغماتي في ملفات الدفاع والهجرة.
ميرتس رحّب بقرار أنقرة شراء عشرين طائرة “يوروفايتر تايفون” من المملكة المتحدة، معتبراً أن هذه الصفقة “تعزز أمن الحلف الأطلسي في مواجهة التهديد الروسي”.
وكانت بريطانيا قد وقعت مذكرة تفاهم أولية مع تركيا في تموز الماضي تمهيداً لبيع أربعين طائرة، فيما وافقت ألمانيا هذا الشهر على بدء التفاوض بشأن الصفقة بعد تردد طويل بسبب المخاوف الحقوقية.
كما ناقش الطرفان انضمام تركيا إلى مبادرة “الأمن الأوروبي الآمن” (SAFE) بقيمة 150 مليار يورو، والتي تتطلب موافقة بالإجماع من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وأفادت مصادر تركية أن برلين تميل لدعم هذه الخطوة رغم اعتراضات أثينا.
وفي ملف الهجرة، سعت ألمانيا للحصول على “خطوات ملموسة” من تركيا لاستعادة طالبي اللجوء المرفوضين، فيما ناقش الجانبان إمكانية استئناف عمليات الترحيل إلى سوريا، في ظل المساعي الألمانية لإعادة بناء التواصل مع دمشق، حيث التقى وزير الخارجية الألماني الرئيس السوري أحمد الشرع خلال زيارة مفاجئة الخميس.

