أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان يوم الثلاثاء حكماً جديداً يدين تركيا بانتهاك عدة بنود من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، في قضية السياسي الكردي البارز صلاح الدين دميرطاش، الذي لا يزال محتجزاً رغم مرور سنوات على توقيفه وصدور أحكام أوروبية سابقة تطالب بالإفراج عنه.
خلفية القضية: احتجاجات كوباني والاتهامات السياسية
تم اعتقال دميرطاش، الرئيس المشترك السابق لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، في نوفمبر 2016 بسبب دوره المزعوم في احتجاجات كوباني عام 2014، والتي اندلعت رفضاً لتقاعس الحكومة التركية في مواجهة هجوم تنظيم “داعش” على مدينة كوباني ذات الغالبية الكردية في سوريا.
رغم صدور قرار من المحكمة الأوروبية في2019 بالإفراج عنه، أعادت السلطات التركية اعتقاله فوراً بناءً على اتهامات أعيد تصنيفها، من “التحريض” إلى “التحريض المباشر على العنف”، دون تقديم أدلة جديدة جوهرية.
إدانة قضائية جديدة: احتجاز دون مبرر وانتهاك متكرر
حكمت المحكمة الأوروبية، بأغلبية ستة قضاة مقابل قاضٍ واحد، بأن تركيا انتهكت المادة 5 (الحق في الحرية والأمن) والمادة 18 (منع استخدام القيود القانونية لأغراض سياسية) من الاتفاقية.
وجاء في نص الحكم أن السلطات التركية فشلت في تقديم “شبهات معقولة“ بشأن ارتكاب دميرطاش جريمة، وأن الإجراءات كانت ذات طابع سياسي يهدف إلى كبت النقاش العام وتقييد الديمقراطية.
كما انتقدت المحكمة المحكمة الدستورية التركية لتأخرها أكثر من أربع سنوات في مراجعة قضية دميرطاش، مما يُعد خرقاً لحق المراجعة القضائية السريعة.
محاكمة كوباني والعقوبة الأشد: 42 عاماً من السجن
في مايو 2024، أصدرت محكمة جنايات في أنقرة حكماً بسجن دميرطاش لمدة 42 عاماً بعد محاكمة طالت 108 من أعضاء الحزب الكردي السابقين، بتهم تتعلق بتحريض مزعوم على العنف في احتجاجات كوباني. دميرطاش ينفي هذه الاتهامات بشدة، مؤكداً أن دعواته كانت ضمن إطار حرية التعبير والتضامن السياسي.
وأكدت المحكمة الأوروبية أن الدولة التركية أعادت تقديم نفس الاتهامات دون مستند قانوني جديد، وأنها أعادت تصنيف التهم بشكل تعسفي، ما يُظهر استمرار الانتهاك الذي سبق أن وثقته المحكمة في حكمها الصادر عام 2020.
التعويضات وإجراءات الاستئناف
قضت المحكمة بأن تدفع تركيا لدميرطاش3,245 يورو كتعويض مادي، و32,500يورو كتعويض معنوي، و20,000 يورو لتغطية التكاليف القانونية
واعترضت على الحكم القاضية التركية في المحكمة، سعادة يوكسل، لتكون الصوت الوحيد المخالف.
ويُذكر أن الحكم ليس نهائياً بعد، ويمكن لأي من الطرفين طلب إحالة القضية إلى الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية خلال ثلاثة أشهر.
السياق السياسي الأوسع: تكميم الأفواه باسم القضاء
يُنظر إلى سجن دميرطاش في الداخل والخارج على أنه جزء من حملة أوسع تقودها حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان ضد المعارضة السياسية، وخصوصاً القيادات الكردية، لا سيما في ظل قربه السابق من موقع المنافسة في الانتخابات الرئاسية.
ورغم أن تركيا عضو في مجلس أوروبا وملزمة بتنفيذ قرارات المحكمة، إلا أنها رفضت سابقاً الإفراج عن دميرطاش، ما يعكس أزمة أعمق في استقلال القضاء واحترام المعايير الأوروبية لحقوق الإنسان.

