يرى الكاتب الصحفي نديم حذار، في مقاله بموقع (TR724)، أن المجتمع التركي يعيش حالة شبه إجماع نادر حول خطاب كراهية موجه ضد “حركة كولن” أو حركة الخدمة، وهو إجماع يشمل حتى من كانوا سابقًا جزءًا من هذه الحركة واختفوا في أوقات المحن. ويؤكد حذّار أن هذا الإجماع لا يعكس بالضرورة وعيًا جماعيًا ناضجًا، بل هو نتيجة تلاعب متقن بخطاب الكراهية وتحويله إلى أداة سياسية وقانونية.
الشيطنة الممنهجة: حين تتحول الكراهية إلى قانون غير مكتوب
يشير الكاتب إلى أن الحملة ضد حركة كولن خلال العقد الماضي في تركيا تُعد من أكثر حملات الكراهية المنهجية في التاريخ الحديث. فوفقًا لتحليل حذار، فقد تم تطبيق مفهوم “نزع الإنسانية” (Dehumanization) كما شرحته هانا آرنت في سياق حديثها عن “تفاهة الشر”، ليصبح الأفراد المنتمون للحركة موصومين بصورة جماعية.
ويضيف أن هذا الخطاب أصبح قويًا لدرجة تعطيل القدرة على التحليل الموضوعي حتى لدى النخبة الأكاديمية والصحفية.
العدالة الدولية تكشف زيف الاتهامات
يسرد الكاتب قرارات قانونية صادرة عن هيئات دولية مرموقة تثبت الطابع التعسفي للحملة ضد الحركة:
- في سبتمبر 2023، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكمًا ضد تركيا في قضية المعلم يوكسل يالجين كايا، معتبرةً أن عضويته في نقابة شرعية وتعاملاته البنكية واستخدامه تطبيق ByLock لا تُعد أدلة قانونية كافية.
- تقارير الأمم المتحدة، خاصة مجموعة العمل المعنية بالاحتجاز التعسفي، صنفت اعتقال أعضاء الحركة على أنه “جريمة ضد الإنسانية”.
بايلوك: بُعبع قانوني لا يستند إلى دليل
ينتقد حذار اعتماد السلطات التركية على تطبيق بايلوك كدليل على الانتماء إلى منظمة إرهابية، رغم عدم وجود أي إثبات قانوني موثوق، ويشير إلى أن ملايين الأفراد تعرضوا للتحقيق أو السجن لمجرد وجود هذا التطبيق على أجهزتهم.
الاختطاف والتعذيب: الدولة كفاعل فوق القانون
يوثق الكاتب عمليات اختطاف قامت بها الاستخبارات التركية ضد مئات الأفراد في الخارج، بدعم حكومات أجنبية، بالإضافة إلى تقارير أممية تؤكد ممارسة التعذيب في السجون ضد المعتقلين من الحركة.
كما يسرد حالات اعتقال نساء حوامل وأمهات حديثات الولادة بشكل مخالف للقانون، مؤكدًا أن استهداف الفئات الأضعف بات ممارسة معتادة في النظام القضائي التركي.
الإعلام والنخب: تواطؤ بالصمت
يحمّل حذار الإعلام، بما في ذلك الإعلام المحسوب على المعارضة، مسؤولية ترويج خطاب الكراهية أو الصمت حياله. ويرى أن تغاضي المثقفين والأكاديميين عن هذه الانتهاكات يمثل خيانة للأمانة الفكرية والأخلاقية.
خطاب الكراهية كمشروع سياسي: كيف يُبنى إجماع القطيعة؟
يرى الكاتب أن النظام السياسي في تركيا نجح في بناء تصور لـ”الشر المطلق” متمثلًا في حركة كولن، وذلك عبر آليات شبيهة بتقنيات الأنظمة التوتاليتارية. ويستشهد بمفهوم “المنطقة الرمادية” للفيلسوف والكاتب الإيطالي بريمو ليفي، لتفسير كيفية تحوّل المجتمع إلى شريك غير مباشر في الجريمة الجماعية.
مفارقة العفو: الكراهية أقوى من السياسة
يتوقف حذار عند ما نشرته “دويتشه فيله” من كواليس لقاءات قانون العفو العام الجديد بين حزب العدالة والتنمية وحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للأكراد من أجل الإفراج عن أعضاء حزب العمال الكردستاني، حيث يُقال إن الرئيس أردوغان اعترض على شمول القانون أعضاء حركة الخدمة قائلاً: “إذا خرج أحد من الجماعة فستندمون!”.
بالنسبة للكاتب، هذه الجملة كاشفة عن حجم الحقد المؤسساتي ضد الحركة، حتى عند مقارنته بملفات مثل العفو عن مقاتلي حزب العمال الكردستاني.
سيناريوهات المستقبل: العدالة المؤجلة؟
يتوقّع الكاتب أن تشهد تركيا على المدى القصير (1-3 سنوات) تصاعدًا في عزلتها الدولية، إلى جانب تنامي الضغوط القانونية والدبلوماسية المفروضة عليها. أما على المدى المتوسط (3-10 سنوات)، فيُرجّح أن تُفتح دعاوى قضائية دولية تهدف إلى تعويض الضحايا وكشف الانتهاكات الممنهجة. وعلى المدى الطويل، يُتوقع أن تظهر روايات تصالحية تُعيد تسليط الضوء على الحقائق، وتُمهّد لإعادة الاعتبار للضحايا.
دروس كونية: الكراهية لا تؤسس عدالة… بل تستنسخ الظلم
يختم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن تجربة حركة كولن في تركيا تشكل درسًا عالميًا في كيفية استغلال الكراهية كمحرك للسياسة، محذرًا من أن تقاعس المجتمع الدولي، لا سيما الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والولايات المتحدة، عن اتخاذ مواقف أخلاقية واضحة، ساهم في إطالة أمد المأساة.
ويؤكد أن “الذاكرة واجب إنساني”، مستشهدًا بكلمات بريمو ليفي، ومشيرًا إلى أن المستقبل يحمل حتمية مواجهة تاريخية مع هذه المرحلة السوداء من تاريخ تركيا.

