تشهد العلاقات المغربية الصينية مرحلة جديدة من التفاعل السياسي والاقتصادي، تعكس حرص بكين والرباط على تعزيز الشراكة الإستراتيجية القائمة منذ عقود، وترسيخ موقعهما ضمن منظومة التعاون جنوب-جنوب، في وقت تتجه فيه الصين إلى ترسيخ حضورها في القارة الأفريقية، فيما يواصل المغرب تعزيز مكانته بوصفه بوابة رئيسية نحو إفريقيا.
تاريخ من الثقة والتقارب السياسي
أكدت يو جينسونغ، سفيرة الصين لدى المملكة المغربية، خلال لقاء جمعها بصحافيين مغاربة بمقر السفارة بالرباط، مساء الثلاثاء، أن السنوات الخمس المقبلة ستشهد استمرار التنسيق الوثيق بين البلدين، رغم التحولات الدولية المتسارعة، معتبرة أن الدعم المتبادل في القضايا الجوهرية يمثل الركيزة الأساسية في مسار العلاقات الثنائية.
وأشارت إلى أن المغرب من أوائل الدول العربية والأفريقية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية قبل أكثر من ستة عقود، وكان من الدول الداعمة لعودة بكين إلى مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة، وتمسك منذ ذلك الحين بمبدأ “الصين الواحدة”.
الزيارة الملكية وبداية التحول الإستراتيجي
يُنتظر أن تحمل السنة المقبلة رمزية خاصة في العلاقات بين البلدين، إذ تُصادف مرور عشر سنوات على الزيارة التاريخية التي قام بها الملك محمد السادس إلى بكين، والتي أسست لشراكة إستراتيجية عميقة بين الطرفين.
وفي السياق ذاته، جاءت زيارة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى الصين في سبتمبر الماضي لتفعيل مذكرة تفاهم جديدة، تم بموجبها إنشاء آلية للحوار الإستراتيجي بين وزارتي الخارجية، استنادا إلى إعلان الشراكة الموقع عام 2016 بين الملك محمد السادس والرئيس شي جين بينغ. وتستهدف هذه الآلية تعزيز التنسيق الدبلوماسي والتشاور حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، في ظل توافق واضح حول مبادئ السيادة الوطنية ووحدة الأراضي ورفض النزعات الانفصالية.
التقارب الاقتصادي.. نحو ديناميكية جديدة
تحتل الصين موقع الشريك التجاري الثالث عالمياً للمغرب، وأول شريك آسيوي له، فيما تُعد المملكة ثاني وجهة عالمية للاستثمارات الصينية في مجال التقنيات الخضراء.
وتؤكد السفيرة جينسونغ أن تنفيذ الخطة الخماسية الخامسة عشرة (2026 – 2030) سيفتح آفاقاً جديدة للتعاون العملي، من خلال مشاريع تتقاطع مع أولويات المغرب، مثل تنظيم كأس العالم 2030، وتطبيق إستراتيجية “المغرب الرقمي 2030”، والانتقال الطاقي والتنمية المستدامة وخلق فرص الشغل.
وخلال السنوات العشر الماضية، تجاوزت قيمة المبادلات التجارية بين البلدين تسعة مليارات دولار، ومن المتوقع أن تتخطى عشرة مليارات للمرة الأولى مع نهاية العام، مدفوعة بزيادة الاستثمارات الصينية ونقل التكنولوجيا وبناء خطوط إنتاج محلية، إلى جانب التعاون في مجالات الاكتشافات المعدنية والطاقة.
إلغاء الرسوم الجمركية وتعزيز التبادل
توقعت السفيرة الصينية أن يؤدي قرار بكين بإلغاء الرسوم الجمركية على الصادرات الأفريقية بنسبة مئة في المئة إلى تنشيط الصادرات المغربية نحو السوق الصينية، ما سيمنح الشركات المغربية فرصاً أوسع للوصول إلى الأسواق الآسيوية.
كما أشارت إلى أن هذا القرار سيسهم في تسريع وتيرة الاستثمارات الصينية النوعية داخل المغرب، ودفعها نحو مرحلة توسّع جديدة، خصوصاً في القطاعات التكنولوجية والطاقة المتجددة والبنى التحتية.
المغرب بوابة الصين نحو إفريقيا
يرى عدد من المراقبين أن المغرب يمثل مدخلاً إستراتيجياً للصين إلى القارة الأفريقية، في إطار سياسة بكين الرامية إلى توسيع حضورها الاقتصادي والتجاري في الجنوب العالمي.
وفي المقابل، يتعامل المغرب مع الصين كقوة عالمية موحدة دون أي نزعات انفصالية، ما ساهم في ترسيخ الثقة السياسية وتطوير التعاون الاقتصادي على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
ويُتوقع أن يؤدي هذا التفاهم إلى بناء شراكات أوسع في مجالات البنية التحتية، والمناطق الصناعية، والرقمنة، والطاقات النظيفة.
تعاون في مجال تمكين المرأة والتنمية البشرية
لم تقتصر العلاقات على الجوانب السياسية والاقتصادية، بل امتدت إلى التعاون الاجتماعي، حيث أشادت يو جينسونغ بالتقدم الذي حققه المغرب في تعزيز مكانة المرأة.
وكشفت عن مشروع مشترك بين السفارة الصينية والاتحاد الوطني لنساء المغرب لدعم المبادرات النسائية، في إطار الرؤية الصينية لبناء “مصير مشترك للبشرية”.
ويأتي ذلك في سياق دعم الرئيس شي جين بينغ لبرامج الأمم المتحدة للمرأة، بإعلانه تقديم مساهمة إضافية بقيمة عشرة ملايين دولار، إلى جانب تخصيص مئة مليون دولار لتنفيذ مشاريع التعاون ذات الصلة خلال السنوات المقبلة.

